ID exists
| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
ربما لم يكن أكثر ما كشفه ظهور بنيامين نتنياهو الأخير في الأمم المتحدة هو ما قاله عن غ-ز-ة أو لبنان أو إيران، بل المشهد نفسه: عشرات المندوبين ينهضون ويغادرون القاعة، ونتنياهو يراقب المشهد ثم يصف المغادرين بأنهم "جبناء أخلاقياً". في تلك اللحظة لم يكن العالم وحده يعبر عن رفضه لسياسات إسرائيل. كان نتنياهو يعيد صياغة معنى المشهد بالكامل. فبدلاً من أن يكون السؤال: لماذا وصل رفض السياسة الإسرائيلية إلى درجة أن عشرات المندوبين لم يعودوا مستعدين للبقاء في القاعة؟ أصبح السؤال، وفق منطقه: ما الخلل الأخلاقي في هؤلاء الذين يغادرون؟ هنا تحديداً تظهر الأزمة. ليست أزمة جهل بما يراه العالم، بل خطر التعالي الأخلاقي: أن ترى حجم الاعتراض على سلوكك، ثم تحوّل هذا الاعتراض نفسه إلى دليل على خلل أخلاقي عند الآخرين. لكن مثل هذا الخطاب لا يعمل في الفراغ. فهو يحتاج إلى بيئة اجتماعية تستطيع استقباله وفهمه والتفاعل معه. وهنا تصبح الأرقام أكثر أهمية من خطابات نتنياهو. في تموز 2025، قال 79% من اليهود الإسرائيليين في استطلاع لمعهد إسرائيل للديمقراطية إنهم غير قلقين إطلاقاً بصورة شخصية من التقارير عن المجاعة والمعاناة بين الفلسطينيين في غ زـ ه. وفي الاستطلاع نفسه، قال 78.1% إن إسرائيل، في ظل ظروف الحرب، تبذل جهوداً كبيرة لتجنب إلحاق معاناة غير ضرورية بالفلسطينيين. تأمل المفارقة. نحن نعتقد أننا نتصرف أخلاقياً، لكن معاناتكم لا تزعجنا. ربما تكون هذه إحدى أخطر صور التحول الأخلاقي. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يعلن كراهيته للآخر كي يخرجه من دائرته الأخلاقية. يكفي أن تصبح معاناته أقل أهمية؛ أن تبقى حياة "نحن" مليئة بالأسماء والوجوه والقصص والأطفال والعائلات، بينما تتحول حياة "هم" إلى أرقام وتقارير و"أضرار جانبية". الأخلاق في جوهرها لا تستطيع أن تعمل بمعيارين. إذا كان قتل المدني الإسرائيلي مأساة أخلاقية، فلا تصبح حياة المدني الفلسطيني أقل قيمة لأنه فلسطيني. وإذا كانت المجاعة والرعب وفقدان الأطفال أشياء لا تحتمل عندما تقع علينا، فلا يمكن أن تصبح مجرد "ظروف حرب"عندما تقع على الآخرين. المشكلة تبدأ عندما تتغير قيمة الفعل بتغير هوية الضحية. وعندها نكون أمام ظاهرة تتجاوز نتنياهو. هنا تحديداً يصبح مشهد الأمم المتحدة سياسياً شديد الأهمية. نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى إقناع الذين يغادرون القاعة. فالمشهد نفسه يمكن أن يخدم رواية مختلفة تماماً موجهة إلى الداخل الإسرائيلي: انظروا. العالم ضدنا. ومنها تأتي الرسالة التالية: إذا كان العالم ضدنا، فنحن وحدنا. ثم: وإذا كنا وحدنا، فلا مكان للانقسام أو الضعف. ومن هنا يصبح من السهل الانتقال إلى الرسالة السياسية الأشد قوة: في عالم كهذا، تحتاجون إلى قيادة قوية تستطيع حمايتكم. وبهذه الطريقة يمكن أن يتحول الخوف إلى مصدر للتماسك السياسي، والعزلة إلى دليل على الحصار، والحصار إلى مبرر للقوة. المفارقة أن المقاعد الفارغة في الأمم المتحدة، التي يمكن قراءتها خارج إسرائيل باعتبارها علامة على عزلة سياسية عميقة، يمكن إعادة تقديمها داخلياً بصورة مختلفة تماماً: العالم يغادر، ونحن نبقى واقفين. وهكذا يصبح المشهد الذي يفترض أن يدفع إلى مراجعة الذات قابلاً للتحول إلى صورة للصمود والتحدي. لكن الأخطر من ذلك كله أن هذه الرواية تجد أرضاً اجتماعية تظهرها الأرقام نفسها. فعندما يقول 79% من اليهود الإسرائيليين إن معاناة الفلسطينيين في غزة لا تثير لديهم قلقاً شخصياً، بينما يعتقد 78% تقريباً أن إسرائيل تتصرف بطريقة تقلل معاناتهم، فإن المسألة لم تعد متعلقة بزعيم سياسي وحده. لقد أصبح السؤال متعلقاً باتساع الدائرة الأخلاقية داخل المجتمع نفسه. من يستحق أن نقلق لألمه؟ من نستطيع أن نراه إنساناً كاملاً؟ وهل تبقى حياة الإنسان ذات القيمة نفسها عندما ينتقل من "نحن" إلى "هم"؟ لهذا كان مشهد الأمم المتحدة كاشفاً. العالم لم يكن يغادر نتنياهو وحده. كان المشهد يكشف اتساع الفجوة بين جزء كبير من المجتمع اليهودي الإسرائيلي وبين مبدأ أخلاقي بسيط: أن حياة الفلسطيني لا تصبح أقل قيمة لأنه فلسطيني، وأن معاناته لا تصبح أقل استحقاقاً للتعاطف والحماية لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر من الصراع. أما نتنياهو، فلم يحتاج إلى تضييق تلك الفجوة. فقد أظهر كيف يمكن تحويلها إلى خطاب سياسي. وربما، في موسم انتخابي، إلى مصدر قوة. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|