| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
|
خلال ثلاث سنوات فقط، بين أيار/مايو 1945 وأيار/مايو 1948، انتقل اليهود من قاع السلم إلى قمته؛ فمن جحيم النازية إلى موقع القوة والسيطرة في المنطقة، بعدما هزموا خمسة جيوش عربية يُنظر إليها، وفق الرواية السائدة هنا، على أنها هبّت للقضاء على الدولة الوليدة. وهكذا تحولت الدولة الفتية، التي كانت قد خرجت للتو إلى الوجود، إلى القوة الأبرز في الشرق الأوسط. يمكن القول إن هذا الواقع أفرز أزمة نفسية تصيب عادةً مَن ينتقلون، بسرعة البرق، من أقصى حال إلى نقيضها. فقد أُصيبت دولة إسرائيل — وتحديدًا مجتمعها اليهودي — بما يشبه «متلازمة الدوار»: فبدا السقف تحت الأقدام، والأرض فوق الرؤوس. إنه تحوّل خاطف يُصيب المرء بالدوار؛ فكيف يمكن الجمع بين شعورٍ بدنوّ الفناء وإحساسٍ بالتفوق المطلق؟ إنه أشبه بمن تهبط عليه فجأة ثروة قدرها مليون دولار، فيما لا تكاد ثلاجته تحتوي على كسرة خبز. وسرعان ما يستبدّ به داء الاستعراض وحب الظهور، فيهرع إلى شراء سيارة فارهة بمئات آلاف الشواكل؛ لكنه، في الوقت نفسه، يحذّر أبناءه من الإفراط في الترف والدلال، لأن عليهم أن يتحسبوا لنوائب الدهر وتقلّبات الزمن الغدّار. إن هذه الازدواجية في إدراك الواقع تثير القلق؛ إذ يبدو أن المصابين بـ«الدوار» قد اختلّ حكمهم على الأمور. فكل ذي عقل يدرس أحداث عام 1948، حين هُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من أراضيهم ودُمّرت مئات قراهم على أيدي مَن لم يكن قد مضى على قدومهم إلى البلاد سوى وقت قصير، سيخلص إلى أن ما جرى كان تطهيرًا عرقيًا. ومع ذلك، تصرّ دولة إسرائيل على تسميته «حرب التحرير». تحررٌ ممّن؟ وفوق ذلك، يُلقى باللوم على العرب أنفسهم في اقتلاعهم وتهجيرهم من وطنهم. فقد كان متوقعًا منهم، وفق هذا المنطق المشوّه، أن يقبلوا بأن يقتحم غرباء بيوتهم، ويطردوهم منها، ويسوقوهم إلى مخيمات اللاجئين؛ وإن تجرؤوا على الرفض، وُصموا بمعاداة السامية. يشير المؤرخ إيلان بابيه إلى المنطق الأعوج الذي يهيمن على الخطاب السائد هنا. ويقول إنه يلتقي أشخاصًا مثقفين يتناولون مختلف القضايا بقدر من الاتزان والعقلانية، لكن ما إن يدور الحديث عن إسرائيل حتى يفقد الخطاب منطقه ويتحول إلى كلام غير عقلاني. ويصف بابيه هذه الظاهرة بأنها «غباء أخلاقي»، متسائلًا، وعن حق، لماذا يُذلّ مفكرون وباحثون وصحفيون وسياسيون أنفسهم في سبيل تبرير المظالم التي ترتكبها دولة إسرائيل. وقد لخّص المؤرخ البروفيسور أمنون راز–كراكوتسكين هذا التناقض العبثي في عبارة كتبها ذات مرة: «لا وجود لله، لكنه وعدنا بهذه الأرض». فالعلمانيون هم الذين قادوا التيار الصهيوني، مستندين إلى الموروث الديني لتحقيق مشروعهم السياسي. أما اليوم، وفي تطور يبدو طبيعيًا لهذا المسار، فيعيد التيار الديني المتطرف الأمور إلى جذورها؛ ليس في ما يتعلق بفكرة «احتلال الأرض» فحسب، بل أيضًا من خلال فرض نمط حياة ديني. ومن الناحية المنطقية، هم محقّون؛ إذ لا يمكنك أن تنتقي من اليهودية ما يلائمك، فتقول «نعم» لهذا الجانب منها، أي «احتلال الأرض»، و«لا» لجانبها الآخر، المتمثل في تبنّي نمط حياة ديني يشمل الفصل بين الجنسين، ورفض تدريس المواد الأساسية في المدارس، وغير ذلك. ها هو يائير لبيد، ممثل التيار العلماني، يعارض الإكراه الديني، لكنه في الوقت نفسه يختار الوقوف إلى جانب السفير الأميركي الذي يريد أن تمتد «أرض إسرائيل» من الفرات إلى النيل. إنها متلازمة «الدوار» في أبهى تجلياتها. إن «الدوار» الذي تغرق فيه دولة إسرائيل يعمي الأبصار، ويقوّض المنطق، ويفكك الصلة بين الوقائع والاستنتاجات. فالفطرة السليمة تُسحق، وتطغى على البلاد فوضى من الأحداث المتلاحقة، لتولّد دوارًا فوق دوار. وها هو جيش شديد القوة يعجز عن ردع البلطجية في قرية قُصرة، فيما يتحدث كبار الصحفيين عن إخفاقات الجيش، بدلًا من القول بوضوح إن الجيش والحكومة يقفان وراء هؤلاء البلطجية. إن الدولة التي تعيش في حالة من «الدوار» تفقد وعيها بذاتها، وتغدو جسمًا غريبًا يثير نفور شعوب العالم. وها أنا الآن أشعر بالدوار أيضًا... يا إلهي، يبدو أن العدوى قد انتقلت إليّ.
|
|
xxxx |
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|