xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
رغم تصريحات ترامب المتفائلة، ترجيحات إسرائيلية بأن هذا التفاؤل يهدف لتضليل الإيرانيينالرئيس الأمريكي يؤكد بنفسه استعادة الطيار الثاني سالماًالقوات الأمريكية تنقذ الطيار الثاني الذي سقط في إيران وتنجح بإخراجه من إيرانأميركا تعلن اعتقال سيدتين.. تربطهما علاقة بقاسم سليمانيمقتل رقيب أول وإصابة جندي بمن الجيش الإسرائيلي في معارك جنوب لبنان الموجز

الإسلام الذي بنى حضارة… وورثةٌ يخجلون منها

  الإسلام الذي بنى حضارة… وورثةٌ يخجلون منها

بقلم : ناظم نصار / أستراليا
 

تتعرّف الحضارات أحيانًا إلى نفسها بوضوح أكبر حين تنعكس صورتها في عينِ غريب. وهذا بالضبط ما يجعل ملاحظة البروفيسور جيانغ شيويه تشين لافتة إلى هذا الحد. فالتذكير بأن الإسلام لم يكن مجرد دين، بل أحد أعظم الثورات الفكرية في تاريخ البشرية، لم يأتِ من واعظ مسلم، ولا من سياسي عربي، ولا من شعار حنينٍ إلى أمجادٍ غابرة. بل جاء من أكاديمي غير مسلم، نظر من الخارج فرأى، وربما بوضوح يفوق ما يراه كثير من المسلمين اليوم، حجم ما كانت تمثله الحضارة الإسلامية للعالم.

وهذا الفارق مهم. فالمسألة هنا ليست ترويجًا دينيًا ولا دفاعًا عن هويه، بل حديثٌ عن الحضارة والذاكرة والحقيقة التاريخية. قبل الإسلام، لم يكن العالم خاليًا من العظمة. كانت لليونان فلسفتها، ولفارس إدارتها الإمبراطورية، وللهند رياضياتها وميتافيزيقاها، وللصين أخلاقها وابتكاراتها وتعقيدها البيروقراطي. لكن الإسلام أنجز شيئًا استثنائيًا في التاريخ: مزج بين الرؤية الأخلاقية والطموح العقلي، وحوّل المعرفة إلى واجب حضاري. أصبحت القراءة فعلًا مقدّسًا، وأصبح التعلّم قيمة أخلاقية، وصارت المعرفة جزءًا من المجال العام، لا امتيازًا محفوظًا لنخبة ضيقة تحتكرها.

ولهذا لم تكن إنجازات الحضارة الإسلامية زينةً عارضةً في إمبراطورية ثرية، بل كانت تعبيرًا عن رؤية للعالم. فحركات الترجمة الكبرى في العصر العباسي لم تكتفِ بحفظ المعارف اليونانية والفارسية والهندية، بل استوعبتها، وأعادت تنظيمها، ثم وسّعتها. وقد أسهم العلماء المسلمون في تطوير علم البصريات، والطب، والفلك، والرياضيات، والقانون، والمكتبات، والمستشفيات، كما أسّسوا لتقاليد رصينة في الجدل والتعليق والبحث. وفي أفضل تجلياتها، لم تضع الحضارة الإسلامية الإيمان والعقل في حربٍ دائمة، بل جعلت العقل جزءًا من البنية الأخلاقية للإيمان.

أما الحضارة الديمقراطية الحديثة، فعلى الرغم من أنها تشكّلت عبر صراعات أوروبية لاحقة، فإنها لا تزال تعيش، جزئيًا، في ظل ذلك الإرث. فانتقال المعرفة بين اللغات والشعوب، وبناء المؤسسات حول التعلّم، ومنهجة القانون، وصون كرامة العلماء، والاعتراف بشرعية الاختلاف المنظم، لم تنشأ من فراغ. أوروبا لم تستيقظ في عزلةٍ مهيبة لتخترع نفسها من العدم. لقد ورثت عالمًا كان قد أُثري فكريًا بالحضارة الإسلامية، ثم ترجمته، وناقشته، وبنت فوقه.

لكن المأساة الحقيقية تبدأ هنا. فكثير من العرب والمسلمين اليوم يقفون في علاقة اغتراب مع حضارتهم الخاصة. بعضهم لا يعرف عنها إلا القليل، وبعضهم يختزل الإسلام في طقوس بلا عقل، أو في هوية بلا إبداع. وبعضهم يتحدث عن الغرب كما لو أن التاريخ وُلد هناك، وكأن المعرفة الجادة لا تكتسب شرعيتها إلا إذا خُتمت بختمٍ أوروبي أو أمريكي. وهذا ليس تواضعًا، بل اغترابٌ حضاري. فالشعوب التي تُدرَّب طويلًا على أن ترى نفسها بعيون الإمبراطورية، قد تصبح في النهاية مرتابة من أرشيفها الخاص.

أما الغرب، فقد تصرّف إزاء هذا الإرث بازدواجية عميقة. فقد درس الحضارة الإسلامية، واقتبس منها، واستفاد منها، ونسج أجزاءً من ميراثها داخل المعرفة العالمية الحديثة. لكنه في الوقت نفسه همّش هذا الإسهام، وحجبه، وأعاد تقديم الإسلام في الخطاب الحديث بوصفه مشكلة ينبغي إدارتها: مشكلة أمنية، أو هجرية، أو لاهوتية. والنمط قديم. يأخذ من الحضارة، ثم يحاضر عليها. يرث منها، ثم يُمرضها في خطابه ويحوّلها إلى علة.

ولهذا تبدو الخطابات الأمريكية والإسرائيلية اليوم شديدة الخطورة. فالمشكلة ليست في عدوانيتها فقط، بل في أنها تهدد بإعادة ترميز الصراع السياسي ليصبح مواجهة حضارية ودينية. حين تتلفّع القوة باللغة المقدسة، وحين يُلبَس التسلّط لباس القدر الأخلاقي، وحين تتحول الجغرافيا المقدسة إلى مسرحٍ للاستفزاز التفوقي، فإن النتيجة لا تكون دفاعًا عن الحضارة، بل اعتداءً عليها. هكذا يحوّل القادة الانتهازيون الاستراتيجية إلى لاهوت، والحرب إلى ما وراء الطبيعة.

ولهذا أيضًا يبدو صمت بعض أطراف الخليج وتعاونها صمتًا هشًا أخلاقيًا. فالدول التي تستمد شرعيتها من القلب الرمزي للحضارة الإسلامية لا يليق بها أن تتعامل مع هذه الحضارة كعلامة تجارية، فيما تصطف مع قوى تُهين مركزها الأخلاقي والسياسي. فالحضارات لا تُدافع عنها ناطحات السحاب، ولا المنتديات الاستثمارية، ولا ابتسامات البروتوكول. بل تُدافع عنها الذاكرة، والكرامة، والوعي باللحظة التي يتحول فيها الصمت أو التواطؤ إلى مشاركة في إضعاف الذات والتفريط بالإرث الحضاري.

لذلك فالمسألة ليست تمجيدًا رومانسيًا للماضي، بل رفضٌ للنسيان. لقد كان الإسلام مهمًا للحضارة الإنسانية لا لأن المسلمين حكموا يومًا، بل لأنهم بنوا، وترجموا، وفكّروا، وحسبوا، وداووا، وتخيّلوا على نطاق حضاري واسع. والخيانة الكبرى لهذا الإرث ليست فقط أن يأتي الآخرون اليوم ليختزلوا المنطقة في الحرب والطائفة والخوف، بل أن يقف كثير من ورثته أنفسهم مرتبكين أو منهكين أو مروَّضين، فيما يُهان هذا الإرث أمام أعينهم. ولعلّ تلك هي الهزيمة الأشد فداحة: ألا تُهزم من الخارج، بل أن تنسى من الداخل.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.