التوصية اليرية التي قدمها رئيس الشاباك دافيد زيني إلى المحكمة بشأن محاكمة بنيامين نتنياهو تم تقديمه خلافًا تامًا للموقف المهني لجهات الاختصاص داخل الجهاز. في الواقع، كان الخلاف حادًا إلى درجة أن زيني استخدم مسارًا التفافيًا لصياغة الموقف. النتيجة النهائية بدت عبثية: الادعاء بأن رئيس وزراء إسرائيل لا يمكنه البقاء في مكان واحد لفترة طويلة، خشية تعرضه لمحاولة اغتيال إيرانية. وماذا عن الكنيست؟ مكتب رئاسة الحكومة؟ منزله؟
وللمفارقة، في اليوم نفسه الذي قُدمت فيه هذه التوصية، التُقطت صور لنتنياهو مع جنود في لبنان، وفي اليوم التالي وضع إكليلًا في مراسم يوم ذكرى الهولوكوست في جبل هرتسل. فهل لم يكن هناك خطر على حياته في تلك المواقع؟
تبرير "أمني" لإلغاء شهادته كان بالضبط ما طلبه نتنياهو من رونين بار، لكن رئيس الشاباك السابق رفض تقديم ذلك. فقد فحص مع خبراء الجهاز احتياجات الحماية مقابل التهديد، وأوصى بعقد الجلسات في قاعة تحت الأرض بمحكمة تل أبيب المركزية — محصنة، تحت الأرض، وقريبة من مقر وزارة الدفاع الذي يتمتع أصلًا بمظلة دفاع جوي. وكانت النتيجة رمزية: نتنياهو أدلى بشهادته لمدة عام ونصف في المكان الذي حوكم فيه سابقًا زعيم الجريمة المنظمة يتسحاق أبرغيل؛ بينما أُقيل رونين بار بشكل قاسٍ بذريعة "انعدام الثقة".
في هذه الأثناء، تورط نتنياهو في خدعة أخرى أمام سلطات القانون: تبيّن أن الرأي الذي قدمه زيني للقضاة لم يُسلّم للنيابة، وعلمت به فقط من تقرير إعلامي. لكن الدراما الحقيقية تدور داخل الشاباك. الأجواء مشحونة في هذا الجهاز الهرمي الرسمي المسؤول عن أخطر ملفات الأمن في إسرائيل.
زيني يوجه لهم ضربة تلو الأخرى. قراره تعميم رسالة تهنئة ذات طابع ديني متشدد كتبتها زوجته، عبر البريد الإلكتروني الداخلي، جاء رغم توسلات قيادات الجهاز لتجنبه. ولم يكن محتوى الرسالة وحده ما أثار الغضب، بل توجيهها إلى زوجات العاملين مع تجاهل النساء العاملات داخل الجهاز (وهن يقاربن نصف القوة البشرية). ومع ذلك أصرّ زيني. تمامًا كما بدأ مؤخرًا بإرسال رسائل أسبوعية لبعض المرؤوسين تتعلق بموضوعات دينية.
كل ذلك يتماشى مع موقفه المهني بأن "الإرهاب اليهودي" في الضفة لا يشكل تهديدًا أمنيًا. هذه عقلية متشددة اكتسبها، بحسب المقال، من خلفيته الدينية. وكان نتنياهو على علم بذلك عندما قابله سابقًا لمنصب السكرتير العسكري واعتبره "مسيانيًا أكثر من اللازم". لكن بعد أحداث 7 أكتوبر وتقدم محاكمته الجنائية، تصرّف كما لو فقد صوابه، وزُرع زيني — بحسب النص — كقنبلة موقوتة على رأس الشاباك.
من دون خبرة استخباراتية أو معرفة بعمل الجهاز، ومن دون إلمام كافٍ بالعربية أو الإنجليزية، فإن شخصًا يتمتع بوعي ومسؤولية تجاه أمن الدولة كان سيرفض هذا المنصب. لكن زيني قبله بسرعة، بعد مقابلة خاطفة أُجريت في المقعد الخلفي لسيارة جيب، بعيدًا عن علم قائده. يبدو أنه اعتاد اغتنام الفرص.
يمر الشاباك الآن بمرحلة اضطراب عميق، يتجلى في أجواء الإحباط، واستقالات متزايدة، وتفكير آخرين في المغادرة. وكل ذلك يحدث في وقت بالغ الحساسية للأمن والديمقراطية في إسرائيل. أما نتنياهو — وفق النص — فلا يكترث، حتى لو احترقت الدولة.
ولهذا، يكرر — بحسب المقال — النمط ذاته مع تعيين رومان غوفمان على رأس الموساد: شخص غير ملائم، بلا خبرة استخباراتية، ولا يتقن الإنجليزية أو العربية، مع إشكالات في المصداقية، لكنه يتمتع بولاء كبير لعائلة نتنياهو. ويخلص النص إلى أن أي رئيس وزراء يخلف نتنياهو سيحتاج إلى الشجاعة لاستبدال زيني وغوفمان بأشخاص مؤهلين، لأن الأمر يتعلق بمصير الدولة.