منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، يعيش المواطنون العرب والاقليات ( الدروز ، المسيحين والمسلمين ) داخل منظومة سياسية وقانونية واجتماعية تقوم في جوهرها على التمييز البنيوي والإقصاء المنهجي، رغم الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات الديمقراطية والمساواة. وقد تعمّق هذا الواقع بشكل خطير بعد تشريع قانون القومية عام 2018، الذي كرس التفوق القومي اليهودي وحوّل المواطنين غير اليهود إلى أصحاب مكانة ثانوية في وطنهم.
ومع ذلك، نشهد في السنوات الأخيرة بروز ظاهرة لافتة ، توظيف عدد محدود من الشباب والشابات من العرب والاقليات في السلك الدبلوماسي الإسرائيلي، وتقديمهم كواجهة تمثيلية للدولة في المحافل الدولية. هذه الظاهرة تستوجب قراءة نقدية عميقة ، هل نحن أمام تحول حقيقي في سياسات الدولة، أم أمام عملية تجميل محسوبة تهدف إلى تبييض صورة نظام يعاني من أزمة شرعية أخلاقية وسياسية ؟
تُقاس الديمقراطية الحقيقية بمدى التزام الدولة بالمساواة في الحقوق الفردية والجماعية، وبالعدالة في توزيع الموارد، وبالاعتراف بالهويات القومية والثقافية المختلفة. لكن الواقع المعيشي للعرب والاقليات في إسرائيل يكشف بوضوح فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية، خاصة في مجالات الأرض، والتخطيط، والإسكان، والميزانيات، والتعليم، والتشغيل.
وعليه، فإن تعيين بضعة دبلوماسيين من أبناء الأقليات لا يمكن أن يشكّل دليلًا على تغيير جوهري، بل يبقى إجراءً شكليًا لا يمس جوهر منظومة التمييز القائمة.
في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب سياساتها العنصرية داخليًا ، باتت المؤسسة الحاكمة في أمسّ الحاجة إلى تحسين صورتها عالميًا. وهنا يأتي توظيف العرب والاقليات في السلك الدبلوماسي كجزء من استراتيجية دعائية مدروسة، هدفها إظهار إسرائيل كدولة ديمقراطية منفتحة تحترم التعددية.
فصورة دبلوماسي عربي في سفارة إسرائيلية تُستثمر إعلاميًا لتقديم دليل بصري على “التعايش” و”المساواة”، بينما يُطمس في الوقت ذاته واقع التمييز البنيوي داخل البلاد.
تعتمد الدولة سياسة الاحتواء الانتقائي، أي فتح الأبواب أمام أفراد معدودين من أبناء الأقليات، مقابل إبقاء الأغلبية الساحقة من المجتمع العربي تحت سقف التهميش.
هذه السياسة تقوم على مبدأ مكافأة الفرد بدل إنصاف الجماعة.، صناعة قصص نجاح فردية بدل معالجة جذور الأزمة، تحويل الطموح الشخصي إلى أداة لإدامة النظام القائم.
وهكذا يتحول النجاح الفردي إلى غطاء سياسي يبرر استمرار الظلم الجماعي.
منذ قيام الدولة، اعتمدت المؤسسة الإسرائيلية سياسة تفتيت المجتمع العربي إلى طوائف وهويات فرعية، بهدف ضرب الانتماء الجماعي ومنع تشكل قوة سياسية موحدة قادرة على فرض المساواة.
ويأتي توظيف الأقليات في مواقع دبلوماسية رفيعة ضمن هذا الإطار، صناعة نخب وظيفية مرتبطة بالمؤسسة، معزولة عن قضايا مجتمعها، محدودة التأثير، ومشغولة بالحفاظ على امتيازاتها بدل النضال من أجل حقوق أبنائها.
الأخطر في هذه المعادلة ليس فقط سياسات الدولة، بل دور القيادات العربية الدينية والسياسية المدجّنة التي لا تكتفي بالصمت أمام هذا الواقع، بل تبارك هذه التعيينات وتروّج لها باعتبارها إنجازًا تاريخيًا.
بدل أن تتحمل القيادات العربية مسؤوليتها الوطنية والأخلاقية في الدفاع عن حقوقها الجماعية، ومواجهة سياسات التمييز، وطرح حلول استراتيجية جريئة لأزمة الأرض والسكن والتخطيط والهوية، نراها تنخرط في خطاب تبريري يضفي شرعية على سياسة التجميل، وتحوّل التعيينات الفردية إلى بديل وهمي عن الحلول الجذرية.
إن هذا السلوك لا يخدم مستقبل المجموعه ، بل يساهم في تخدير الوعي الجمعي، وتعميق حالة الاستسلام، وتكريس واقع التهميش كقدر لا فكاك منه.
تعاني بعض المجموعات العربية اليوم من أزمة قيادة حقيقية، تتجلى في غياب المشروع الجماعي الواضح، وفي ضعف الجرأة السياسية، وفي العجز عن بلورة رؤية استراتيجية طويلة الأمد تضمن كرامة المجموعه وحقوقها ومستقبل أجيالها القادمة.
فبدل بلورة برنامج نضالي مدني وقانوني وإعلامي منظم، نكتفي بالاحتفال بمناصب فردية لا تغيّر شيئًا في معادلة التمييز القائمة.
تحمل هذه السياسة رسالة سياسية واضحة ، إسرائيل دولة ديمقراطية تحترم التعددية وتمنح فرصًا متساوية للأقليات.
للداخل العربي ، من يريد التقدم، فليقبل الاندماج الفردي وليتخلَّ عن المطالبة بالحقوق الجماعية. أي أن الطريق إلى النجاح يمر عبر الصمت السياسي لا عبر النضال المدني.
الديمقراطية لا تُقاس بعدد الدبلوماسيين من أبناء الأقليات والعرب، بل بمدى ، المساواة في توزيع الأرض، والعدالة في الميزانيات، والحق في التخطيط والبناء، والاعتراف بالهوية الجماعية.
وما دام هذا كله غائبًا، فإن كل مظاهر “الاندماج” تبقى ديكورًا سياسيًا يخفي واقعًا من التمييز البنيوي.
إن توظيف أبناء الأقليات والعرب في السلك الدبلوماسي الإسرائيلي، وتشجيع القيادات المدجّنة عليه، لا يعكسان تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا، بل يشكّلان معًا منظومة متكاملة لتبييض صورة دولة عنصرية وتخدير وعي الأقليات. العدالة لا تتحقق بتعيين أفراد، ولا تُبنى الكرامة بالمناصب، ولا يُصان المستقبل بالصمت. بل تُبنى بالوعي، وبالموقف، وبالمطالبة الجماعية الشجاعة بالحقوق .