xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx

بين ثمن الحرب وفرصة السلام الضائعة

بين ثمن الحرب وفرصة السلام الضائعة

بقلم : امين زاهر ( مساعد وزير سابق ولوبيست معتمد في الكنيست)
 

في خضم الحرب الحالية، تنكشف أمام أعيننا معطيات هائلة يصعب استيعابها: آلاف القتلى، مدن مُسحت من على وجه الأرض، اقتصادات انهارت أو تضررت بشدة، ومئات آلاف الصواريخ التي أُطلقت في مشهد يعكس حجم الدمار أكثر من أي إنجاز عسكري أو سياسي.

إيران ولبنان وإسرائيل وغزة ودول الخليج، جميعها دفعت وتدفع ثمنًا باهظًا، ليس فقط من دماء مواطنيها، بل أيضًا من حاضرها ومستقبلها. لم تترك الحرب وراءها سوى الخراب والخوف وعدم الاستقرار، بينما تواصل آلة الإنفاق العسكري استنزاف الموارد بلا توقف.

لنطرح السؤال البديهي: ماذا لو تم توجيه جزء صغير فقط من المليارات التي أُنفقت على الصواريخ والطائرات والأساطيل العسكرية نحو البناء بدلًا من الدمار؟ ماذا لو استُثمرت في رفاه الإنسان ومستقبل المنطقة؟

ماذا لو وُجهت هذه الأموال إلى التعليم، والبنية التحتية، والمستشفيات، وخلق فرص العمل، والزراعة، والتقدم، وتعزيز رفاهية الإنسان؟

ولزيادة الطين بلة، تظهر هنا مفارقة صارخة لا يمكن تجاهلها: كيف يمكن تفسير أن دولًا عظمى تقدّم نفسها كحامية للديمقراطية وراعية للحرية وحارسة للقيم الإنسانية، هي نفسها التي تقف في طليعة تصنيع وتسويق السلاح في العالم؟

كيف يمكن التوفيق بين خطاب الحرية وحقوق الإنسان وبين تصدير أدوات القتل والدمار التي تُستخدم في حروب تحصد أرواح الأبرياء؟ أيّ نفاق هذا!

هذه المفارقة لا تقتصر على السياسة فقط، بل تعكس بنية عالمية معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع القرارات السياسية. فقد أصبحت صناعة السلاح واحدة من أكبر الصناعات في العالم، مرتبطة بالوظائف والاستثمارات والنفوذ السياسي، ما يجعل من الصعب وقفها أو تقليصها ضمن النظام الدولي القائم.

لكن هذا الواقع لا يبرر استمراره. بل على العكس، فإنه يفرض مسؤولية أخلاقية ثقيلة على هذه الدول وعلى المجتمع الدولي بأسره لإعادة النظر في الأولويات: هل ستظل الأرباح والمصالح فوق قيمة حياة الإنسان؟ أم حان الوقت لوضع حد لهذه المفارقة؟

لو تم توجيه جزء من الموارد الهائلة التي تُضخ في سباق التسلح نحو التنمية وتمكين الإنسان، لكانت الصورة مختلفة تمامًا.

كان يمكن أن نرى مدنًا حديثة مزدهرة بدلًا من الأنقاض، وشعوبًا تعيش بأمن واستقرار بدلًا من الخوف والقلق، واقتصادات قوية بدلًا من الانهيار. بل وربما كان بالإمكان تحويل هذه المنطقة، التي عانت لسنوات طويلة من الصراعات، إلى نموذج عالمي للتنمية والازدهار، بل إلى ما يشبه الجنة.

الحروب، مهما كانت مبرراتها، أثبتت عبر التاريخ أنها لا تقدم حلولًا مستدامة. بل على العكس، فإنها تعمّق الأزمات وتزرع بذور صراعات جديدة تمتد لعقود. الكلفة الحقيقية للحرب لا تُقاس فقط بالأموال أو بعدد الضحايا، بل بأجيال كاملة تُحرم من مستقبل أفضل.

الاستثمار في السلام ليس فكرة ساذجة أو مثالية، بل هو الخيار الأكثر عقلانية على المدى البعيد. فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو بناء حياة كريمة، وخلق فرص، وضمان بيئة تتيح للإنسان أن يعيش بأمان وكرامة.

اليوم، ونحن نشهد هذا القدر من الدمار والقتل والانهيار الاقتصادي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى سنواصل إعادة إنتاج نفس السيناريو؟

إلى متى ستُهدر الموارد على أدوات القتل بدلًا من أدوات الحياة؟

لقد حان الوقت لإعادة التفكير، ليس فقط في سياسات الحرب، بل في مفهوم القوة ذاته. فالقوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على التدمير، بل في القدرة على البناء وصناعة واقع أفضل لشعوب بأكملها.

وفي نهاية المطاف، فإن الصراع مستمر منذ عقود، والشعوب تدفع ثمنًا باهظًا في الأرواح والدمار والاقتصاد، دون الوصول إلى حسم. فالحرب لا تحسم، بل تمهّد لحرب أخرى. والدليل هو الحرب الحالية التي تلت حرب السابع من أكتوبر 2023. قيل لنا إن حزب الله انتهى، وإن إيران عادت سنوات إلى الوراء، لكن الواقع يقول العكس: فكلاهما يقاتلان الآن ضد أقوى الجيوش وسلاح الجو في العالم.

أناشد قادتنا: أعيدوا حساباتكم. ليتكم تحاولون، ولو مرة واحدة، طريقًا مختلفًا — طريق الأمل، والتفاهم، والسلام، والمصالحة. لقد أثبت التاريخ أن الحل لجميع الصراعات هو السلام وإحلاله.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم