|
من الحافلة إلى الجيش والجامعة: سبعون عامًا من الخدمة لم تُسقط جدار التمييز.
عندما تحتاج الدولة إلى الجندي الدرزي، يصبح أخًا في السلاح وشريكًا في المصير. وعندما يخلع بزته العسكرية ويطالب بأرضه وبيته وحقوقه، يعود عربيًا مشكوك في امره وامانته للدوله.
هذه ليست مبالغة، ولا شعارًا سياسيًا، ولا محاولة للتنكر للخدمة العسكرية. إنها خلاصة مؤلمة لتجربة امتدت عشرات السنين، تؤكدها قصاصات صحفية احتفظت بها منذ سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وتعيد الحوادث الأخيرة تذكيرنا بها.
قرأت اليوم خبر إهانة جندي درزي من بلدتي عسفيا. وقبل أيام أثارت إهانة امرأة درزية في حافلة، لمجرد تحدثها باللغة العربية، موجة من الغضب والاستنكار.
والأكثر إيلامًا أن المرأة حاولت الدفاع عن نفسها بالإشارة إلى أن أفرادًا من عائلتها يخدمون في الجيش، ومن بينهم طيارون، ومع ذلك لم تتوقف الإهانات.
وهنا أسأل: هل أصبح على المواطن الدرزي أن يُبرز سجل الخدمة العسكرية لعائلته حتى يُسمح له بالتحدث بلغته الأم؟ وهل أصبحت المواطنة مشروطة بالزي العسكري؟
والسؤال الأخطر: ماذا لو لم يكن إخوتها جنودًا أو طيارين؟ هل كانت ستفقد حقها في الاحترام والكرامة؟
من عام 1972: جنود احتياط لا يُسمح لهم بدخول معسكر!
في عام 1972 نشرت الصحافة قصة المرحومين شفيق زاهر وحاتم منصور من عسفيا، اللذين وصلا بشاحنتيهما إلى معسكر عسكري برفقة سائقين يهود.
سُمح للسائقين اليهود بالدخول، بينما مُنع السائقان الدرزيان، رغم أنهما من المسرّحين من الجيش ويحملان أوامر استدعاء لخدمة الاحتياط.
احتج السائقان على التمييز، وعندما دخلا بشاحنتيهما أوقفتهما الشرطة، ثم أُطلق سراحهما بعد التحقيق، مع إبلاغهما بإمكانية محاكمتهما.
كان مسموحًا لهما حمل السلاح دفاعًا عن الدولة، لكن لم يُسمح لهما بدخول معسكرها بالشروط نفسها التي دخل بها زملاؤهما اليهود!
هذه الحادثة وقعت قبل أكثر من نصف قرن. ومن يعتقد أن ما نشهده اليوم ظاهرة جديدة، فليقرأ التاريخ.
في الجيش مقاتل… وفي الحي السكني عربي!
في 25 كانون الأول 1986 نشرت صحيفة «حداشوت» قصة شكيب سرحان تحت عنوان:
«في الجيش كنت مقاتلًا، وفي روميما أنا عربي».
خدم شكيب في وحدة قتالية وأصيب أثناء خدمته. لكنه عندما عاد إلى الحياة المدنية، واجه العداء من بعض جيرانه بسبب هويته العربية. وتعرضت شقته للاقتحام وسُرقت سيارته.
وهذه هي المأساة باختصار: في ساحة المعركة أنت أخي، وفي الحي السكني أنت غريب عني!
فهل الدم الذي يُراق دفاعًا عن الدولة يغيّر لون الإنسان مؤقتًا، ثم يعيده عربيًا عندما يخلع الزي العسكري؟
أمّ أربعة جنود لا تستحق الجنسية!
ومن بيت جن جاءت قصة السيدة سنية مراد، التي عاشت في البلاد 44 عامًا، وخدم زوجها وأبناؤها الأربعة في الجيش.
وعندما طلبت جواز سفر، اكتشفت أنها ليست مواطنة، بل مقيمة دائمة. ورُفض طلبها الحصول على الجنسية بحجة عدم إتقانها اللغة العبرية.
تأملوا المفارقة!
أربعة أبناء يصلحون للخدمة العسكرية، لكن أمهم لا تصلح للمواطنة!
كان من الممكن أن تتلقى بلاغًا عسكريًا عن إصابة أحد أبنائها، لكن اللغة التي ربّتهم بها أصبحت عقبة أمام الاعتراف بحقها.
شيخ درزي ممنوع من السفر مع جامعته!
طالب درزي متدين من جامعة حيفا اختير للمشاركة مع فريق جامعته في بطولة لكرة القدم في هولندا.
ولأنه حصل على تأجيل من الخدمة العسكرية لأسباب دينية، دخل في دوامة من التعليمات المتناقضة بين الجيش ووزارة الداخلية.
قيل له مرة إنه يستطيع السفر إلى لبنان فقط، ومرة أخرى إنه يستطيع السفر إلى جميع الدول باستثناء لبنان!
وانتهت البطولة قبل انتهاء المراجعات.
وفي الوقت الذي كان فيه طلاب يهود يتمتعون بتسهيلات مرتبطة بوضعهم الديني، وجد الطالب الدرزي نفسه يدفع ثمن التزامه الديني.
حتى في الجامعة، لم تكن المساواة مضمونة.
صالح طريف: ضابط يصلح للقتال ولا يصلح لرئاسة الكنيست!
في كانون الأول 1994، عندما طُرح اسم عضو الكنيست صالح طريف لتولي منصب القائم بأعمال رئيس الكنيست، نُسب إلى عضو الكنيست رحبعام زئيفي اعتراضه على تولّي غير يهودي رئاسة الكنيست.
أي إن الدرزي يمكن أن يكون ضابطًا في المظليين، وأن يخاطر بحياته في الحروب، لكنه لا يستحق، في نظر أصحاب هذا الموقف، تولّي منصب رسمي رفيع لأنه ليس يهوديًا!
والأشد إثارة للسخرية أن بعض أصحاب هذه المواقف كانوا يزورون القرى الدرزية في مواسم الانتخابات طالبين أصوات أبنائها.
أصواتنا مطلوبة في صناديق الاقتراع، وأبناؤنا مطلوبون في ساحات القتال، لكن مساواتنا تصبح موضع نقاش عندما نطالب بالمناصب والحقوق.
اليهود للسلام… والدروز للحرب!
في 17 نيسان 1994 نشر عضو الكنيست السابق زيدان عطشي مقالًا في صحيفة «معاريف» بعنوان:
«اليهود للسلام، والدروز للحرب».
وانتقد فيه إبعاد الدروز عن المشاركة في مفاوضات السلام، في الوقت الذي كان يُطلب منهم المشاركة في الحروب وحراسة الحدود.
وما زال السؤال قائمًا:
لماذا يكون الدرزي شريكًا في الحرب، ولا يكون شريكًا متساويًا في صناعة السلام واتخاذ القرارات المصيرية؟
عندما يتحول الجندي الدرزي إلى مشتبه فيه داخل جيشه!
في آب 1997، نُسب إلى ضابطة في قسم القوى البشرية بالجيش تصريح مفاده أن تجنيد الدروز للخدمة الدائمة يهدف إلى منعهم من الذهاب إلى حماس أو تنظيمات إرهابية أخرى.
وفي آب 1999، نُشر أن مجندة قالت خلال درس بعنوان «اعرف العدو» إن الدروز يتجندون من أجل المال، وإن نصفهم يتجسسون لصالح دول عربية.
وقد زوّدتُ الكاتب هادي زاهر بالمعلومات المتعلقة بهاتين الحادثتين، فنشرهما في أحد كتبه.
إن صحت هذه التصريحات كما نُشرت، فنحن لا نتحدث عن مجرد إهانات، بل عن نظرة عنصرية خطيرة تشكك في ولاء جماعة كاملة.
تخيلوا جنديًا درزيًا يرتدي الزي العسكري، ويسمع داخل مؤسسته العسكرية من يصوره مرتزقًا أو جاسوسًا محتملًا!
فأي قيمة تبقى لشعارات «حلف الدم» و«الإخوة في السلاح» عندما يُطعن في كرامة الجندي وانتمائه داخل الجيش نفسه؟
ثلاثون عامًا دفاعًا عن أرض الدولة… ثم الدفاع عن أرضه من المصادرة!
المقدم المتقاعد مزيد عباس من جت الجليلية، الذي خدم أكثر من ثلاثين عامًا، وجد نفسه بعد التقاعد يخوض معركة للدفاع عن أرضه الخاصة في منطقة كليل.
ورفع شعارًا يلخص المأساة:
«ثلاثين عامًا دافعت عن أرض الدولة، واليوم سأدافع عن أرضي من النهب».
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
الدولة التي تطلب من الدرزي الدفاع عن حدودها، مطالبة أيضًا باحترام حدود أرضه وحقوقه في التخطيط والبناء والسكن.
فلا يجوز أن يكون الدرزي أهلًا للدفاع عن الأرض، ثم يجد نفسه عاجزًا عن بناء بيت لأبنائه فوق أرضه الخاصة.
حتى ذكرى المرحوم الشيخ أمين طريف أصبحت مسألة أمنية!
وفي عام 1997، بحسب الوثائق التي أحتفظ بها، أُدرج إحياء ذكرى المرحوم فضيلة الشيخ أمين طريف ضمن مناسبات صُنفت على أنها ذات حساسية أمنية داخلية، إلى جانب إحياء ذكرى ياسر عرفات.
وهنا أتساءل: كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تتغنى بمكانة الزعامة الروحية الدرزية، ثم تنظر إلى مناسبة دينية أو تذكارية تخصها من زاوية أمنية؟
إن هذه الواقعة، إذا ثبت مضمون الوثيقة وسياقها، تستحق تفسيرًا رسميًا واضحًا.
المشكلة ليست في المواطن اليهودي وحده… بل في السياسات أيضًا
ليس من الإنصاف اتهام جميع المواطنين اليهود بالعنصرية، ولا إنكار وجود كثيرين منهم يرفضون التمييز ويدافعون عن المساواة.
لكن ليس من الإنصاف أيضًا أن نستمر في وصف كل حادثة عنصرية بأنها تصرف فردي صادر عن «أعشاب ضارة».
عندما تتكرر الحوادث عبر عشرات السنين، في الشارع والجيش والجامعة والمؤسسات الحكومية، يصبح من واجبنا أن نسأل عن مسؤولية المؤسسات والسياسات التي تسمح باستمرار هذه الظواهر.
العنصرية لا تصبح أقل خطورة عندما نغطيها بشعارات الأخوة. والتمييز لا يختفي بمجرد التقاط صورة مشتركة لقائد عسكري وشيخ درزي.
وأين كانت قياداتنا طوال هذه السنوات؟
هنا لا بد من توجيه النقد إلى الداخل الدرزي أيضًا، وبصراحة لا تحتمل المجاملة.
أين كانت القيادات السياسية والدينية عندما تراكمت هذه الحوادث؟
لماذا نسمع خطابات الشكر والثناء على الحكومات في المناسبات الرسمية، بينما لا نسمع بالمستوى نفسه مطالبات حازمة بالمساواة؟
لماذا يتحول كل لقاء مع رئيس حكومة إلى مناسبة للاحتفال والتصوير وتبادل المجاملات، بدل أن يكون فرصة للمطالبة بالحقوق ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات؟
لقد أتقن بعض ممثلينا فن الجلوس إلى جانب أصحاب القرار، لكنهم لم ينجحوا في تحويل هذه العلاقات إلى مساواة حقيقية في الأرض والتخطيط والسكن والميزانيات والتمثيل.
إن القيادة التي تكتفي بترديد شعارات «حلف الدم»، ولا تطالب بحقوق المواطنة الكاملة، لا تؤدي واجبها تجاه المجتمع الذي تدّعي تمثيله.
ولا يجوز أن تتحول التضحيات إلى رصيد سياسي يستثمره بعض المسؤولين في تعزيز مواقعهم وعلاقاتهم الشخصية.
لا نريد امتيازات مقابل الدم… نريد حقوقًا بحكم المواطنة!
لقد آن الأوان للتوقف عن مطالبة الدولة بمكافأتنا على خدمتنا العسكرية.
فهذا المنطق، رغم ما يبدو فيه من مطالبة بالإنصاف، يحمل خطرًا كبيرًا: إنه يحوّل الحقوق الأساسية إلى مكافآت مشروطة بالخدمة.
وماذا عن الشيخ المتدين الذي لم يخدم؟ وماذا عن المرأة الدرزية؟ وماذا عن المواطن الذي أُعفي من الخدمة لأسباب صحية؟
هل هؤلاء أقل استحقاقًا للمساواة والكرامة؟
نحن لا نطالب بحقوقنا لأن أبناءنا يخدمون في الجيش، بل لأننا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.
لا نريد أن يُسمح لنا بالتحدث بالعربية لأن أبناءنا طيارون، بل لأن العربية لغتنا الأم، ولأن كرامة الإنسان لا تحتاج إلى شهادة من الجيش.
ولا نريد أن نحصل على تراخيص البناء لأن أبناءنا سقطوا في الحروب، بل لأن السكن حق أساسي لكل مواطن.
ولا نريد أن تُعاد إلينا أراضينا مكافأة على الولاء، بل لأن الملكية والعدالة والمساواة ليست هدايا تقدمها الحكومات.
كفى متاجرة بحلف الدم!
منذ عام 1956، عندما فُرض التجنيد الإجباري على الرجال الدروز، تعاقبت الحكومات وتغيرت القيادات، وسقط مئات الجنود، وامتلأت الخطب الرسمية بكلمات الأخوة والمصير المشترك.
لكن بعد سبعين عامًا، ما زلنا مضطرين إلى الدفاع عن حقنا في الأرض والسكن والتخطيط، وعن حقنا في التحدث بالعربية دون إهانة، وعن حقنا في أن نُعامل كمواطنين لا كمشتبه فيهم.
فما قيمة «حلف الدم» إذا لم يؤسس لمساواة حقيقية؟
وما قيمة الإخوة في السلاح إذا انتهت عند بوابة المعسكر؟
وما قيمة التضحيات إذا بقيت حقوقنا رهينة الحسابات السياسية ومزاج المسؤولين؟
إن أخطر ما أصاب المجتمع الدرزي ليس التمييز وحده، بل محاولة إقناعه بأن عليه أن يظل ممتنًا لما يحصل عليه من حقوق، بدل أن يطالب بها باعتبارها حقوقًا أصيلة لا منّة فيها لأحد.
لقد دفع الدروز ثمنًا باهظًا من دمائهم وأعمارهم وأراضيهم، ولا يجوز أن يُطلب منهم فوق ذلك دفع ثمن الصمت.
وأقولها بوضوح، إلى الحكومة وإلى القيادات الدرزية على حد سواء:
كفى استخدامًا لدماء أبنائنا لتجميل واقع لا يقوم على المساواة. وكفى تحويل الولاء إلى بديل عن الحقوق، والشعارات إلى بديل عن العدالة.
لسنا بحاجة إلى المزيد من خطابات المديح، ولا إلى المزيد من صور المصافحة، ولا إلى المزيد من الوعود التي تتكرر مع كل انتخابات.
نحن بحاجة إلى تغيير حقيقي في مفهوم العلاقة بين الدولة ومواطنيها الدروز.
فالدولة التي تعتبر الدرزي مواطنًا كاملًا عندما يحمل السلاح، عليها أن تعتبره مواطنًا كاملًا عندما يحمل سند ملكية أرضه، أو يتقدم بطلب بناء، أو يدخل الجامعة، أو يتحدث بالعربية في الحافلة.
المفارقة الكبرى: مؤسسة قيادية درزية تزداد قوة… وطائفة تضعف وتتراجع مكانتها!
وفي ختام هذا المقال، لا أستطيع تجاهل سؤال يؤرقني منذ سنوات، وأعتقد أنه يستحق نقاشًا جديًا داخل مجتمعنا الدرزي.
أخشى أن نكون أمام مفارقة تاريخية مؤلمة: قيادة تزداد قوة ونفوذًا، ومواطنون تتراجع مكانتهم وتتغيب حقوقهم وكرامتهم ، بدل ان تزداد قوة بالقدر نفسه.
هل أُنشئت مؤسسات الطائفة لخدمة الطائفة وتعزيز مكانتها، أم أصبحت الطائفة وسيلة لتعزيز مكانة هذه المؤسسات؟
وإلى أن نرى مساواة حقيقية في الحقوق والفرص والكرامة، سيبقى عنوان هذه المأساة قائمًا:
|