xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
>
يانون مغيل يصف أيزنكوت "قرد يحمل اسما شرقيا مغربيا" السفير الأمريكي في إسرائيل يدين اعتداء المستوطنين على الصحفية الأمريكية فرنسا تشتعل.. متظاهر يفقد يده ومئات المعتقلين المستوطنون يهاجمون وفداً أوروبياً ومزارعين فلسطينيين تصعيد هادئ في الخليج: إيران تتحصن وأمريكا تتوعد الموجز

حين تباع الذمم

حين تباع الذمم

بقلم : د. أيمن الديراوي

 


لا يبدأ الفساد دائما بسرقة كبيرة، ولا يحتاج إلى أبواب خلفية أو أيد تمتد في الظلام. أحيانا يبدأ بقرار صغير، أو حق يمنح لمن لا يستحق، أو كفاءة تقصى لأن صاحبها لا يملك ما يكفي من العلاقات. تمر الحادثة، ويجد كل طرف ما يبررها، ثم تمضي الأيام حتى يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس أمرا مألوفا اليوم.
هنا تكمن خطورة الفساد. ليس فيما ينتزعه من أموال وحقوق فحسب، بل فيما يتركه في نفوس الناس من شكٍّ في العدالة، وتراجع في الثقة، وشعور بأن الطريق إلى الحق لا يمر دائما عبر الاستحقاق.
فالفساد ليس رشوة واختلاسا فقط. قد يكون وظيفة تمنح بغير كفاءة، أو منصبا يستخدم لحماية المصالح الخاصة، أو حقيقة تخفى لأن إعلانها يزعج أصحاب النفوذ. وقد يكون صمتا عن ظلم نعرفه، أو تبريرا لتجاوز كنا سنرفضه لو وقع على غيرنا أو لم تكن لنا فيه مصلحة.
وحين تتغير أسماء الأشياء، تتغير علاقتنا بها. تصبح الواسطة مجاملة، والمحسوبية وفاء، واستغلال السلطة ذكاء، ويغدو السكوت عن الخطأ حكمة. لا يعود السؤال: هل هذا حق أم ظلم؟ بل يصبح: هل نستطيع تمريره؟ وهل سيعترض أحد؟
ومع تكرار هذه الأسئلة، يتراجع الضمير خطوة بعد أخرى، لا لأن الناس يفقدون قدرتهم على التمييز بين الصواب والخطأ، بل لأنهم يتعلمون كيف يجدون للأخطاء أسماء أقل قسوة، وللمصالح أعذارا أكثر قبولا.
وفي المؤسسات، لا يحتاج الفساد دائما إلى أموال تختفي أو وثائق تزور. قد يكفي أن يهمش صاحب الكفاءة لأنه قال الحقيقة، وأن يكافأ صاحب الولاء لأنه أتقن المجاملة. عندها تتحول السلطة من مسؤولية في خدمة الناس إلى وسيلة لحماية المصالح، وتصبح النزاهة عبئا يتحمله صاحبها، بدل أن تكون قيمة تحميها المؤسسة.
وما يخسره الموظف في مثل هذه البيئة ليس فرصة مهنية فحسب؛ إنه يخسر شيئا من إيمانه بأن العمل الجاد يستحق، وأن الاجتهاد يمكن أن يصنع مستقبلا، وأن العدالة ليست مجرد كلمات تكتب في اللوائح. والطالب الذي يرى التمييز أمام عينيه يتعلم، من واقع الحياة، درسا يناقض ما تقوله الكتب عن الكفاءة والاستحقاق.
ومع الوقت، قد يجد المظلوم نفسه يبحث عن الطريق ذاته الذي ظلمه. لا لأنه اقتنع بعدالته، بل لأنه تعب من انتظار عدالة لا تأتي. وهكذا ينتصر الفساد مرتين: حين ينتزع الحق من صاحبه، وحين يقنعه بأن استعادة حقه لا تكون إلا بتقليد من حرموه منه.
لكن المسؤولية ليست متساوية في كل الأحوال. فثمة من يصنع الفساد ويحميه، وثمة من يصمت خوفا من خسارة عمله أو مصدر رزقه. وليس من الإنصاف أن نضع المستفيد من الظلم في منزلة من يخشى عواقب الاعتراض عليه. غير أن فهم الخوف لا ينبغي أن يتحول إلى قبولٍ دائم بالواقع، بل يجب أن يدفعنا إلى بناء مؤسسات تحمي من يقول الحقيقة، وتمنع أن تصبح النزاهة مخاطرة يدفع صاحبها ثمنها وحده.
فالفساد لا يزدهر بفعل مرتكبيه وحدهم، بل يجد طريقه أيضا حين تضعف المساءلة، وتطبق القواعد على بعض الناس دون غيرهم، ويصبح النفوذ أقوى من القانون. لذلك لا تكفي الدعوات الأخلاقية، مهما صدقت، ما لم تسندها مؤسسات عادلة، ورقابة مستقلة، وقواعد واضحة لا تتغير بتغير الأسماء والمواقع.
ومع ذلك، لا تستطيع القوانين وحدها أن تحمي المجتمع إذا فقد الإنسان رغبته في احترامها. فهناك لحظات لا يرانا فيها أحد، ولا تمنعنا فيها رقابة، ولا يقف بيننا وبين المنفعة غير قدرتنا على أن نسأل أنفسنا: هل يحق لي أن أفعل هذا، لمجرد أنني أستطيع؟
في تلك اللحظة تحديدا، تختبر الذمة. ليس حين نعلن النزاهة أمام الآخرين، بل حين يكون التخلي عنها أكثر نفعا، وحين نستطيع الحصول على امتياز لا نستحقه دون أن نحاسب. عندها لا تكون النزاهة شعارا، بل اختيارا قد يكلفنا شيئا، لكنه يحفظ لنا احترامنا لأنفسنا.
إن الأوطان لا تفقد مواردها وحدها حين ينتشر الفساد؛ إنها تفقد أيضا ثقة أبنائها بأن الجهد يقدر، وأن الحقوق تصان، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. وحين تتاكل هذه الثقة، لا يعود الناس يسألون كيف يصلون إلى حقوقهم، بل كيف يحمون أنفسهم من غيابها. وهذه خسارة لا تظهر في الحسابات المالية، لكنها تترك أثرها في العمل والتعليم والعلاقات، وفي قدرة المجتمع على النهوض من أزماته.
لهذا، فإن مواجهة الفساد ليست مسؤولية القانون وحده، ولا مهمة الأفراد وحدهم. إنها مسؤولية مؤسساتٍ تحمي الحقوق، ومجتمع يرفض أن يصبح الظلم فيه أمرا عاديا، وإنسان لا يجعل مصلحته معيارًا للحقيقة. تبدأ باستعادة المعنى الحقيقي للكفاءة، وبرد الحقوق إلى أصحابها، وبأن يعرف كل صاحب سلطة أن موقعه أمانة، لا امتيازا مفتوحا على حساب الآخرين.
فحين تباع الذمم، لا يكون الثمن ما يقبضه البائع وحده، ولا ما يدفعه المشتري. ثمة ثقة تتراجع، وحق يضيع، وجيل يتعلم أن الاستحقاق لا يكفي. وحين يصبح الفساد مألوفا، لا يعود الخطر فيمن يرتكبه فحسب، بل في أن يفقد المجتمع قدرته على استنكاره.
قد نستعيد مالا ضائعا، ونصحح قرارا جائرا، ونصلح مؤسسة اختل عملها؛ لكن استعادة الثقة تحتاج إلى ما هو أعمق من الوعود: أن يرى الناس العدالة تمارس، لا أن يسمعوا الحديث عنها.
فالذمم لا تصان بالخطب، بل بالمواقف التي تتخذ حين تكون المصلحة في الاتجاه الآخر. وحين يختار الإنسان ألا يأخذ ما ليس له، وألا يمنح غيره ما لا يستحق، وألا يبرر ظلمًا لأنه يوافق هواه، فإنه يحمي أكثر من ضميره؛ يحمي المعنى الذي يجعل العيش المشترك ممكنا.
فالأوطان لا يحميها غياب الفاسدين وحده، بل وجود من لا يقبل أن يكون الفساد قاعدة للحياة.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.