| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
|
أكتب مقالتي قبل أن تنتهي المداولات في المحكمة العليا، وقبل إصدار القرار بشأن شطب لجنة الانتخابات المركزية للقائمتين العربيتين وللمرشحَيْن سامي أبو شحادة وعوفر كسيف، ومنعهم من خوض انتخابات الكنيست المقبلة. يكفيني ما جرى لغاية اليوم كي أكتب حول بعض الخلاصات التي عكسها المشهد، وعن التحديات الخطيرة التي نقف أمامها، نحن المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل، وذلك بمنأى عن طبيعة القرار، أو ربما بسببه أيضا، بعد صدوره. تشكّلت هيئة المحكمة من تسعة قضاة؛ يفترض أنهم ينتمون الى معسكرين أساسيين، وفق قواميس السياسة الاسرائيلية وتصنيفات الاعلام العبري: معسكر رئيس المحكمة يتسحاق عميت المحسوب على المدرسة الليبرالية التي تستهدفها وتحاربها القوى اليمينية وتنادي بإسقاطها، والى جانبه القضاة دفنة براك-إيريز وعوفر جروسكوف والعربي ابن مدينة يافا خالد كبوب؛ والمعسكر "المحافظ" وهو التعبير الذي تستعمله الأحزاب اليمينية في تعريفهم وتسعى الى تعزيز قوته من خلال تعيين قضاة جدد ينحدرون من نفس الخلفيات اليمينية والمتدينة المتطرفة. يقف على رأس هذا المعسكر القاضي المستوطن ديفيد مينتس والقاضية يعيل فيلنر، التي بدأت حياتها كناشطة في الحركة الاستيطانية غوش ايمونيم إلى جانب الراب ليفنجر ، ومعهما القضاة اليكس شطاين وجيلا كنفي شطاينتس ويحيئيل كشير. لقد بقي خارج الهيئة قاضيان، الأول نائب رئيس المحكمة القاضي المستوطن سولبرغ الذي يشغل حاليا منصب رئيس لجنة الانتخابات المركزية، والقاضية روت رونين، المحسوبة على المعسكر الليبرالي، وقد استثنيت من عضوية الهيئة لكونها الأصغر سنّا من بين أربعة قضاة عينوا في نفس الوقت بالدفعة الأخيرة، وهو التفسير الوحيد الذي وجدته منطقيا لاستثنائها هي، إذا ما استبعدنا عامل سوء النية عند رئيس المحكمة. لقد بدأت هجمات القوى اليمينة على المحكمة العليا واتهام قضاتها "باليسارية" وب"معاداة حكومات اليمين" وب"مساندة أعداء إسرائيل" منذ أكثر من عقدين. حاول القضاة ، منذ زمن رئيسها القاضي أهرون باراك وبعده الرئيسة دوريت بينش، وهكذا حتى وصلنا الى عهد الرئيس الحالي يتسحاك عميت - حاولوا جميعهم استرضاء القوى اليمينية واستيعابهم بتكتيكات اعتمدت على سياسة قطف الرأس أحيانا، وإحناء هاماتهم والتماشي مع سياسات الحكومات اليمينية أحيانا أخرى، لا سيّما فيما يتعلق بممارسات تلك الحكومات ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة، أو فيما يتعلق بملاحقة المواطنين العرب وانتزاع حقوقهم وتضييق الخناقات عليهم. لقد كانت النتيجة أن المحكمة العليا في ممارساتها العملية قدّمت حقوق الفلسطينيين قرابين على مذابح الحكومات الاسرائيلية، وقدمتنا، نحن فلسطينيي الداخل، فدية لنهم اليمين والعنصريين، ظنا منها أنها سوف تبعدهم عنها ؛ وهذا ما لم ولن يحصل. فعندما ينطلق وحش العنصرية الفاشي نحو فرائسه، وهذا الوحش يعتبر المحكمة العليا وقضاتها غير الموالين لسياستهم فريسة، لن توقفه إلا مشاهد الدم والقرابين المستسلمة حتى داخل أروقة المحكمة وقاعاتها. لقد أغفلت قيادات المجتمع العربي ومؤسساته الحزبية والمدنية، ومثلها الجمعيات المتخصصة في تقديم استشاراتها وخدماتها الحقوقية للمواطنين العرب، طيلة العقود الثلاثة الماضية، مناقشة التغييرات الحاصلة على الجهاز القضائي، وفي مقدمتها جنوح المحكمة العليا نحو مواقف يمينية متشددة ضد مواطني الدولة العرب. وأغفلت، كذلك، تقييم تداعيات القرارات المبدئية كما تجلت في عدد من القضايا المفصلية وأثرها علينا، خاصة تلك التي كان واضحا أنها قرارات من شأنها أن تقوّض مكانة المواطنين العرب وأن تمس بعصب وجودهم وبحقوقهم وحرياتهم الأساسية. لا أستطيع، في هذه العجالة، إحصاء جميع تلك القرارات والميادين التي تضررت منها، لكننا نستطيع، ونحن في ذروة العاصفة، أن نسترجع سلسلة القرارات الخاصة "بقانون أساس الكنيست" لا سيما تلك التي صدرت بعد تعديله عام 2002؛ فمن المفارقات اللافتة أن دوافع تعديل القانون في البدايات كانت من أجل مواجهة الكهانية ومحاربة من ينادي بها، مثلما حصل لاحقا مع الناشط اليميني الكهاني ميخائيل بن آري الذي قررت المحكمة شطب ترشيحه عام 2019، بناء على ما ورد في بند 7(أ) من القانون المعدل. ولكن كما يحصل دائما في الأنظمة العنصرية، سرعان ما وظفت المحكمة تعديل القانون وغيّرت وجهتها وبدأت تتناول تبعاته في سياقات مواقف الأحزاب العربية، خاصة حزب التجمع الديمقراطي ومرشحيه. لا يمكن فصل ما كان يحصل بين قضاة المحكمة العليا وداخل المنظومة القضائية ككل، عن التغيرات التي كانت تتفاعل بسرعة داخل المجتمع اليهودي، وما أفضت إليه من حالة اختمار فاشية بدأت تتجلى مظاهرها، كما عرفناعا من سجلات التاريخ، في معظم مرافق الحياة العامة وداخل المؤسسات الرسمية وبضمنها داخل الجهاز القضائي. لقد كان واضحا منذ محاولة شطب حزب التجمع والنائبين عزمي بشاره وأحمد الطيبي في عام 2003 ، بأن هذه المسألة ستبقى في "عين العاصفة" وسمادا يساعد في اشباع التربة بالكراهية وتسميم فضاء الدولة السياسي بالعنصرية وجعله حاضنا ومساندا لعملية نزع الشرعية عن الأحزاب والحركات والمؤسسات العربية. وهذا ما نجحوا بتحقيقه حتى صار مطلب إقصاء العرب ومن يمثلهم عن الساحة السياسية مطلبا مشروعا ويحظى بتأييد شعبي واسع. في هذه الأجواء كثفت القوى اليمينية محاصرتها للمحكمة العليا حتى جاء "طوفان" اكتوبر 2023 فاغرق غزة وأهلها ونزلت المصائب وضاعت البوصلة وعم الخراب وطفح الدم وسقطت المعاقل وتشوشت العقول. أكتب مقالتي قبل صدور قرار المحكمة، مع أنني أحس بوخز إبره، وأعرف أنه سيكون آخر المحطات التي سنقف عليها، ونحن أشباه أحرار وعلى قيد المواطنة، ندافع عما كنا نحسبها حقوقنا المشروعة. لا أحسد من وقف أمام المحكمة، لكنني غاضب ومقهور ؛ فالمشهد يذكرنا "بمحاكم التفتيش" حيث كان العبث هو سيّد "العدل"، والساحرات هن أدواته الهازئات. يمثل القضاة أدوارهم بحرفية مستفزة ويتلذذون في استذلال الضحية حتى لا يبقى منها غير ظله؛ ولا يكتفون بأن يحني "الفارس" ظهره ويعترف بأنه كبا حين كان يحلم على شواطىء النار في لحظة التباس تاريخية. يسمعونه ويستزيدون بأن يخلع جلده ليروا لون الدم في عروقه إن كان بلون الندم وإلا فكل المشهد هراء والمسرحية باطلة. سوف يلقونه في النهر ، لا مفر، فهكذا يستطيع الفلسطيني أن يثبت ولاءه لمملكة الرب ولكهنتها الجدد، فإن كان بريئا فلسوف يغرق وثوابه عند رب العالمين؛ وإن طاش وعاش فهو مذنب وعقابه أن يلاقي رب العالمين. من لم يتعلم دروس النكبة فلن يتعلم ، لا محالة ! ليس كل الكلام يقال في هذه اللحظات المليئة بالحزن بالغصات، فما شاهدناه كان مسرحية من فصلين: بين الحقّ والحكّ مذلّة؛ فلندع مسرحية الذل والعبث تمضي وتنتهي ونعود الى جرحنا والى همنا والى سذاجتنا؛ أو ربما إلى صحونا ونعرف أن المؤمن/ المناضل/ المستشار الحق ليس من لا يلدغ من الجحر مرتين، بل هو من طمر الجحر الذي لدغ منه ذات مرة.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|