ID exists
| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
|
لم يكن فوز الفيلم الوثائقي الإسرائيلي نازا (NAZA) بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية مجرد نجاح سينمائي جديد للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل شور، بل تحوّل سريعًا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إسرائيل، بعدما وضع أمام الجمهور شهادات مجهّلة من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية حول آليات الاستهداف التي استُخدمت خلال الحرب في غزة. الفيلم، الذي يمتد لنحو 80 دقيقة، عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية الـ83، وحصل في 12 سبتمبر/أيلول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ويعتمد بصورة أساسية على مقابلات مع 24 شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، بينهم جنود وعناصر استخبارات، يتحدثون عن أنظمة المراقبة والاستهداف ومعالجة المعلومات، بما في ذلك استخدام تقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويشير عنوان الفيلم NAZA إلى اختصار عسكري إسرائيلي يرتبط بمفهوم الضرر الجانبي وعدد المدنيين المتوقع مقتلهم في هجوم معين. لكن ما جعل الفيلم يتجاوز حدود النقاش السينمائي هو طبيعة الشهادات التي يتضمنها، والادعاءات المتعلقة بطريقة اختيار الأهداف، وحجم الخسائر المدنية المتوقعة، ودور الأنظمة التكنولوجية في عمليات الاستهداف.
شهادات من داخل المؤسسة العسكرية اختار أبراهام وشور إخفاء هويات معظم مصادرهما، قائلين إن ذلك ضروري لحمايتهم بسبب حساسية المعلومات التي قدموها. وبحسب ما يعرضه الفيلم، فإن هؤلاء الأشخاص كانوا على تماس مباشر أو غير مباشر مع أنظمة الاستخبارات والاستهداف خلال الحرب. ويقول المخرجان إن الهدف لم يكن تقديم رواية من الخارج عن الحرب في غزة، وإنما السماح لأشخاص من داخل المؤسسة نفسها بالحديث عن تجربتهم وما شاهدوه أو شاركوا فيه. ويمنح هذا الخيار الفيلم قوته الصحافية من جهة، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام سؤال جوهري يتعلق بإمكانية التحقق من هوية المصادر، ومواقعها، ومدى اطلاعها الفعلي على القرارات التي تتحدث عنها. وهذه النقطة تحديدًا أصبحت محور الرد الإسرائيلي الرسمي.
الجيش الإسرائيلي يرفض رواية الفيلم بعد نشر مقتطفات من الفيلم، أعلن الجيش الإسرائيلي رفضه القاطع للادعاءات الواردة فيه، وقال إن الفيلم يعتمد على شهادات مجهّلة لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هوية أصحابها أو من أدوارهم العسكرية. وأشار الجيش إلى أن بعض الشهادات تتضمن، بحسب رده، معلومات تتجاوز ما يمكن أن يكون معروفًا لجنود في رتب أو مواقع معينة، كما أشار إلى ما وصفه بتناقضات داخلية واستخدام غير دقيق لبعض المصطلحات القانونية. أما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فقد أكد الجيش أن قرارات اختيار الأهداف والموافقة على تنفيذ الضربات يتخذها أشخاص، وليس نظام ذكاء اصطناعي بصورة مستقلة. كما قال إن نشاطه في غزة يستهدف التنظيمات المسلحة، وإنه يعمل، بحسب روايته، وفق القانون الدولي وقوانين النزاعات المسلحة، مع اتخاذ إجراءات لتقليل الأذى الذي يلحق بالمدنيين. وفي موقف لافت، طلب الجيش الاطلاع على الفيلم بصورة كاملة، بما يتيح لمسؤوليه الرد على الادعاءات الواردة فيه بصورة مفصلة. وفي الوقت نفسه، أعلن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن الجيش سيسعى إلى تحديد هوية الجنود الذين تعاونوا مع الفيلم، الأمر الذي نقل القضية من نقاش سينمائي إلى مسألة تتعلق بالأمن وتسريب المعلومات.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في نازا: فالمصادر التي يتكئ عليها الفيلم تقول إنها تتحدث من داخل المؤسسة، بينما تقول المؤسسة نفسها إن هويات هؤلاء الأشخاص وأدوارهم لا يمكن التحقق منها.
من السينما إلى الأمن والسياسة لم ينتظر الجدل وقتًا طويلًا قبل أن ينتقل إلى المستوى السياسي. وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي مكي زوهر شن هجومًا حادًا على الفيلم ومخرجيه بعد فوزه في البندقية، واعتبر الفيلم مسيئًا للدولة وللجيش، وأعلن أنه سيدفع باتجاه بحث إمكانية سحب الجنسية الإسرائيلية من أبراهام وشور. ولم تتوقف الإجراءات عند التصريحات السياسية، إذ طُلب أيضًا فحص مصادر المعلومات التي استند إليها الفيلم، بما في ذلك احتمال ارتباط بعض المواد بجهات معادية، كما دخلت مسألة تسريب المعلومات السرية على خط النقاش. وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نيته الدفع بمشروعات قوانين تتعلق بما وصفه بتشويه سمعة جنود الجيش الإسرائيلي، في خطوة ربطها الخطاب السياسي المتصاعد بالجدل الذي أثاره الفيلم. وهكذا، انتقل نازا خلال أيام من قاعة مهرجان سينمائي في البندقية إلى نقاش إسرائيلي واسع حول الأمن، وحرية التعبير، وحدود النقد الموجه إلى الجيش، ومتى تتحول الشهادة على ما يحدث في الحرب إلى قضية أمنية.
وماذا عن الجنود الذين يتحدثون في الفيلم؟ اللافت أن الحديث عن موقف الجنود يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالفيلم لا يقدم استطلاعًا داخل الجيش، ولا يعرض موقفًا جماعيًا للجنود الإسرائيليين. بل يقدم شهادات أفراد مجهّلي الهوية يقول صناع الفيلم إنهم خدموا في وحدات عسكرية واستخباراتية مختلفة. لذلك لا يمكن القول إن الجنود الإسرائيليين اتخذوا موقفًا موحدًا من الفيلم. ما هو موثق هو أن المؤسسة العسكرية رفضت مضمون الادعاءات، بينما قال صناع الفيلم إن الأشخاص الذين تحدثوا أمام الكاميرا فعلوا ذلك لأنهم أرادوا أن تصل شهاداتهم إلى الجمهور الإسرائيلي. يوفال أبراهام قال بعد عرض الفيلم إن الأهم بالنسبة إليه ليس الجائزة التي حصل عليها في البندقية، بل أن يسمع الجمهور الإسرائيلي شهادات الجنود وضباط الاستخبارات الذين ظهروا في الفيلم، ودعا الإسرائيليين إلى مشاهدة العمل قبل الحكم عليه. وفي المقابل، ركز الجيش على التشكيك في إمكانية التحقق من هويات المصادر وأدوارها، وأكد أن أي جندي يملك معلومات عن مخالفة للقانون ملزم، وفق الأوامر العسكرية، بالإبلاغ عنها حتى يمكن بحث فتح تحقيق. وبذلك بقيت إحدى أهم القضايا التي يطرحها الفيلم مفتوحة: من هم الأشخاص الذين يتحدثون؟ وما المواقع التي شغلوها؟ وما مقدار معرفتهم المباشرة بالقرارات التي يصفونها؟
الإعلام الإسرائيلي بين التشكيك والمواجهة لم يكن الإعلام الإسرائيلي موحدًا في تعامله مع نازا. في مقابلة مع القناة 13 الإسرائيلية، واجه الصحفي رفيف دروكر المخرج يوفال أبراهام بأسئلة مباشرة حول كيفية التحقق من شهادات المصادر الـ24 المجهّلة، وما إذا كان بإمكان الجمهور التأكد من صحة الادعاءات التي يقدمها الفيلم. وكانت المقابلة نفسها مثالًا على طبيعة الجدل الذي يدور داخل إسرائيل: فالمخرج يطالب الجمهور بالاستماع إلى شهادات أشخاص من داخل المؤسسة العسكرية، بينما يطالب الصحفي بإثبات قابل للتحقق بشأن هويات هؤلاء الأشخاص وأدوارهم وما إذا كانت شهاداتهم تعكس معرفة مباشرة أم استنتاجات شخصية. وفي المقابل، وجه أبراهام انتقادات شديدة إلى الإعلام الإسرائيلي، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا منه لم يمنح ما يحدث في غزة، وخصوصًا معاناة المدنيين الفلسطينيين، المساحة التي يستحقها. وقد نقلت تقارير إسرائيلية عن أبراهام قوله إن هدفه هو أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم ويستمعوا إلى الجنود الذين يظهرون فيه، فيما رد الجيش بأن الادعاءات الواردة فيه لا يمكن التحقق منها وأن بعض ما يرد في مواده الترويجية غير صحيح. ويكشف هذا الخلاف عن سؤال أوسع من الفيلم نفسه: كيف غطى الإعلام الإسرائيلي الحرب في غزة، وإلى أي حد وصلت إليه الأصوات الفلسطينية والمدنية داخل إسرائيل؟
تغطية غزة.. سؤال داخل الإعلام الإسرائيلي هذا السؤال لم يظهر مع نازا فقط. فبحسب تقرير نشرته الجزيرة مستندًا إلى دراسة لمعهد الأبحاث الإسرائيلي Molad، فإن تحليلًا لتغطية القناة 12 خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب وجد حضورًا محدودًا للقضية الإنسانية في غزة، كما أشار إلى أن عدد الصور التي أظهرت ضحايا مدنيين فلسطينيين كان محدودًا للغاية. ونقلت الجزيرة عن الصحفية والباحثة الإسرائيلية أنات ساراغوستي، المسؤولة عن قضايا حرية الصحافة في اتحاد الصحفيين في إسرائيل، رأيًا مفاده أن الإعلام الإسرائيلي السائد لم يحقق بما يكفي في سلوك الجيش خلال الحرب ولم يغطِّ الحرب من المنظور الفلسطيني بالقدر الكافي. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الإعلام الإسرائيلي كان موحدًا في تغطيته أو أن جميع المؤسسات الإعلامية اتخذت الموقف نفسه. فقد تناولت وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة الفيلم من زوايا متباينة، بين التشكيك في مصادره ومناقشة مضامينه والبحث في التداعيات القانونية والسياسية التي ترتبت عليه. وفي مقابلة القناة 13، ظهر هذا التباين بوضوح: المخرج يتحدث عن ضرورة الاستماع إلى شهادات من داخل الجيش، بينما يطرح المحاور أسئلة تتعلق بقدرة الجمهور على التحقق من هذه الشهادات.
في مواجهة الاتهامات.. أصوات إسرائيلية تدافع عن الفيلم لكن المشهد الإسرائيلي لم يكن مكونًا فقط من المؤسسة العسكرية والحكومة والأصوات المنتقدة للفيلم. فبعد تصاعد الدعوات ضد أبراهام وشور، وقّعت 43 منظمة إسرائيلية في مجالات حقوق الإنسان والمساواة والسلام بيانًا تضامنيًا مع المخرجين، رافضة الدعوات إلى سحب جنسيتهما، بينما صدرت أيضًا مواقف من جهات في الوسط السينمائي الإسرائيلي تدعو إلى عرض الفيلم ومناقشته بدلًا من الحكم عليه قبل أن يراه الجمهور الإسرائيلي. كما وقّع مئات من صناع السينما الإسرائيليين على رسالة دعم للمخرجين، في وقت حذر فيه أصحاب الرسالة من تصاعد الخطاب العدائي والتهديدات الموجهة إليهما، مؤكدين أن النقد الفني والسياسي يجب أن يبقى جزءًا من النقاش العام. وفي المقابل، ظهرت في الشارع الإسرائيلي مظاهر احتجاج ضد المخرجين، بينها كتابات على الجدران تصفهما بـالخونة، كما تجمع محتجون أمام منزل والدي راشيل شور في سافيون ورددوا شعارات ضد صانعي الفيلم. وبذلك لم يتحول نازا إلى قضية بين الحكومة والمخرجين فقط، بل أصبح أيضًا اختبارًا للمجتمع الإسرائيلي نفسه: كيف يتعامل مع رواية نقدية تأتي من داخل المجتمع، لكنها تتناول سلوك المؤسسة العسكرية في حرب لا تزال آثارها السياسية والأمنية حاضرة بقوة؟
الفيلم قبل أن يراه الجمهور الإسرائيلي من المفارقات الأساسية في القضية أن جزءًا كبيرًا من العاصفة الإسرائيلية اندلع قبل أن يصبح الفيلم متاحًا على نطاق واسع للجمهور الإسرائيلي. فقد دافع المخرجان عن عملهما وطالبا بعرضه في إسرائيل، بينما طالب الجيش بمشاهدته كاملًا للرد على ما يرد فيه. وفي الوقت نفسه، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية تتناول الجدل السياسي والأمني المحيط به، قبل أن يحصل الجمهور على فرصة مشاهدة الفيلم والحكم على مادته بصورة مباشرة. وهنا تظهر أهمية مطالبة مجلس الأفلام الإسرائيلي بعرض العمل بصورة عاجلة أمام أعضائه والجهات المهنية، باعتبار أن عدم عرضه قد يزيد الجدل بدل أن يحسم الأسئلة المتعلقة بمضمونه.
أكثر من فيلم عن غزة أهمية نازا لا تكمن فقط في الادعاءات التي يقدمها، وإنما في المكان الذي اختار أن يروي منه قصته: من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها. فالفيلم يحاول الانتقال من صورة الحرب كما تظهر في البيانات الرسمية أو الأخبار اليومية إلى شهادات أشخاص يقول صناع الفيلم إنهم كانوا جزءًا من الأنظمة العسكرية والاستخباراتية التي شاركت في الحرب. لكن هذا الموقع نفسه يجعل الفيلم أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، يقدم شهادات من داخل المؤسسة؛ ومن جهة أخرى، فإن إخفاء هوية أصحابها يجعل التحقق المستقل من مواقعهم وأدوارهم أكثر صعوبة. ولهذا فإن الأسئلة التي أثارها الفيلم لا يمكن اختزالها في سؤال واحد حول ما إذا كان صحيحًا أو كاذبًا. فهناك أسئلة منفصلة تتعلق بهوية المصادر، ودقة شهاداتها، وما إذا كانت تمثل حالات فردية أم سياسات أوسع، وكيفية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن يتخذ القرار النهائي بشأن الضربات، وما هي آليات التحقيق والمساءلة داخل المؤسسة العسكرية. الجيش الإسرائيلي يقدم رواية مختلفة بصورة واضحة، وينفي الادعاءات الأساسية المتعلقة بطريقة اختيار الأهداف واستخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يتمسك صناع الفيلم بشهادات مصادرهم ويدعون الجمهور إلى مشاهدة العمل قبل الحكم عليه.
من يملك حق رواية الحرب؟ في النهاية، ربما يكون السؤال الأوسع الذي تركه نازا داخل إسرائيل هو سؤال من يملك حق رواية الحرب؟ هل تبقى رواية الحرب محصورة في البيانات العسكرية والمؤسسات الرسمية؟ أم أن للجنود الذين شاركوا فيها، والصحفيين الذين يحققون فيها، والمخرجين الذين يوثقونها، والجمهور الذي يدفع ثمنها، الحق في طرح أسئلة مختلفة؟ وبينما يرى منتقدو الفيلم أنه يعتمد على شهادات مجهّلة وادعاءات تحتاج إلى إثبات مستقل، يرى صانعوه أن أهمية العمل تكمن تحديدًا في أنه يفتح نافذة من داخل المؤسسة التي نادرًا ما يتحدث أفرادها بصورة علنية عن تفاصيل عملياتها. لهذا السبب، لم يعد نازا مجرد فيلم وثائقي عن غزة، ولا مجرد عمل سينمائي حاز جائزة في البندقية. لقد أصبح ساحة لنقاش إسرائيلي أوسع حول الجيش، والإعلام، والسرية الأمنية، وحرية التعبير، وحدود النقد، وحق المجتمع في مساءلة المؤسسات التي تعمل باسمه. وربما يكون الاختبار الحقيقي للفيلم الآن ليس الجدل الذي سببه قبل عرضه، وإنما ما سيحدث عندما يصبح متاحًا للجمهور الإسرائيلي، ويستطيع المشاهدون أن يروا بأنفسهم الشهادات والمواد التي أشعلت كل هذه المواجهة. فحينها فقط يمكن أن ينتقل النقاش من ماذا قيل عن الفيلم؟ إلى السؤال الأهم: ماذا يقول الفيلم فعلًا، وما الذي يمكن إثباته مما يقدمه؟ نازا.. الفيلم الذي أشعل إسرائيل: من مهرجان البندقية إلى المواجهة مع الجيش والإعلام لم يكن فوز الفيلم الوثائقي الإسرائيلي نازا (NAZA) بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية مجرد نجاح سينمائي جديد للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل شور، بل تحوّل سريعًا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إسرائيل، بعدما وضع أمام الجمهور شهادات مجهّلة من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية حول آليات الاستهداف التي استُخدمت خلال الحرب في غزة. الفيلم، الذي يمتد لنحو 80 دقيقة، عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية الـ83، وحصل في 12 سبتمبر/أيلول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ويعتمد بصورة أساسية على مقابلات مع 24 شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، بينهم جنود وعناصر استخبارات، يتحدثون عن أنظمة المراقبة والاستهداف ومعالجة المعلومات، بما في ذلك استخدام تقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويشير عنوان الفيلم NAZA إلى اختصار عسكري إسرائيلي يرتبط بمفهوم الضرر الجانبي وعدد المدنيين المتوقع مقتلهم في هجوم معين. لكن ما جعل الفيلم يتجاوز حدود النقاش السينمائي هو طبيعة الشهادات التي يتضمنها، والادعاءات المتعلقة بطريقة اختيار الأهداف، وحجم الخسائر المدنية المتوقعة، ودور الأنظمة التكنولوجية في عمليات الاستهداف.
شهادات من داخل المؤسسة العسكرية اختار أبراهام وشور إخفاء هويات معظم مصادرهما، قائلين إن ذلك ضروري لحمايتهم بسبب حساسية المعلومات التي قدموها. وبحسب ما يعرضه الفيلم، فإن هؤلاء الأشخاص كانوا على تماس مباشر أو غير مباشر مع أنظمة الاستخبارات والاستهداف خلال الحرب. ويقول المخرجان إن الهدف لم يكن تقديم رواية من الخارج عن الحرب في غزة، وإنما السماح لأشخاص من داخل المؤسسة نفسها بالحديث عن تجربتهم وما شاهدوه أو شاركوا فيه. ويمنح هذا الخيار الفيلم قوته الصحافية من جهة، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام سؤال جوهري يتعلق بإمكانية التحقق من هوية المصادر، ومواقعها، ومدى اطلاعها الفعلي على القرارات التي تتحدث عنها. وهذه النقطة تحديدًا أصبحت محور الرد الإسرائيلي الرسمي.
الجيش الإسرائيلي يرفض رواية الفيلم بعد نشر مقتطفات من الفيلم، أعلن الجيش الإسرائيلي رفضه القاطع للادعاءات الواردة فيه، وقال إن الفيلم يعتمد على شهادات مجهّلة لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هوية أصحابها أو من أدوارهم العسكرية. وأشار الجيش إلى أن بعض الشهادات تتضمن، بحسب رده، معلومات تتجاوز ما يمكن أن يكون معروفًا لجنود في رتب أو مواقع معينة، كما أشار إلى ما وصفه بتناقضات داخلية واستخدام غير دقيق لبعض المصطلحات القانونية. أما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فقد أكد الجيش أن قرارات اختيار الأهداف والموافقة على تنفيذ الضربات يتخذها أشخاص، وليس نظام ذكاء اصطناعي بصورة مستقلة. كما قال إن نشاطه في غزة يستهدف التنظيمات المسلحة، وإنه يعمل، بحسب روايته، وفق القانون الدولي وقوانين النزاعات المسلحة، مع اتخاذ إجراءات لتقليل الأذى الذي يلحق بالمدنيين. وفي موقف لافت، طلب الجيش الاطلاع على الفيلم بصورة كاملة، بما يتيح لمسؤوليه الرد على الادعاءات الواردة فيه بصورة مفصلة. وفي الوقت نفسه، أعلن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن الجيش سيسعى إلى تحديد هوية الجنود الذين تعاونوا مع الفيلم، الأمر الذي نقل القضية من نقاش سينمائي إلى مسألة تتعلق بالأمن وتسريب المعلومات.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في نازا: فالمصادر التي يتكئ عليها الفيلم تقول إنها تتحدث من داخل المؤسسة، بينما تقول المؤسسة نفسها إن هويات هؤلاء الأشخاص وأدوارهم لا يمكن التحقق منها.
من السينما إلى الأمن والسياسة لم ينتظر الجدل وقتًا طويلًا قبل أن ينتقل إلى المستوى السياسي. وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي مكي زوهر شن هجومًا حادًا على الفيلم ومخرجيه بعد فوزه في البندقية، واعتبر الفيلم مسيئًا للدولة وللجيش، وأعلن أنه سيدفع باتجاه بحث إمكانية سحب الجنسية الإسرائيلية من أبراهام وشور. ولم تتوقف الإجراءات عند التصريحات السياسية، إذ طُلب أيضًا فحص مصادر المعلومات التي استند إليها الفيلم، بما في ذلك احتمال ارتباط بعض المواد بجهات معادية، كما دخلت مسألة تسريب المعلومات السرية على خط النقاش. وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نيته الدفع بمشروعات قوانين تتعلق بما وصفه بتشويه سمعة جنود الجيش الإسرائيلي، في خطوة ربطها الخطاب السياسي المتصاعد بالجدل الذي أثاره الفيلم. وهكذا، انتقل نازا خلال أيام من قاعة مهرجان سينمائي في البندقية إلى نقاش إسرائيلي واسع حول الأمن، وحرية التعبير، وحدود النقد الموجه إلى الجيش، ومتى تتحول الشهادة على ما يحدث في الحرب إلى قضية أمنية.
وماذا عن الجنود الذين يتحدثون في الفيلم؟ اللافت أن الحديث عن موقف الجنود يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالفيلم لا يقدم استطلاعًا داخل الجيش، ولا يعرض موقفًا جماعيًا للجنود الإسرائيليين. بل يقدم شهادات أفراد مجهّلي الهوية يقول صناع الفيلم إنهم خدموا في وحدات عسكرية واستخباراتية مختلفة. لذلك لا يمكن القول إن الجنود الإسرائيليين اتخذوا موقفًا موحدًا من الفيلم. ما هو موثق هو أن المؤسسة العسكرية رفضت مضمون الادعاءات، بينما قال صناع الفيلم إن الأشخاص الذين تحدثوا أمام الكاميرا فعلوا ذلك لأنهم أرادوا أن تصل شهاداتهم إلى الجمهور الإسرائيلي. يوفال أبراهام قال بعد عرض الفيلم إن الأهم بالنسبة إليه ليس الجائزة التي حصل عليها في البندقية، بل أن يسمع الجمهور الإسرائيلي شهادات الجنود وضباط الاستخبارات الذين ظهروا في الفيلم، ودعا الإسرائيليين إلى مشاهدة العمل قبل الحكم عليه. وفي المقابل، ركز الجيش على التشكيك في إمكانية التحقق من هويات المصادر وأدوارها، وأكد أن أي جندي يملك معلومات عن مخالفة للقانون ملزم، وفق الأوامر العسكرية، بالإبلاغ عنها حتى يمكن بحث فتح تحقيق. وبذلك بقيت إحدى أهم القضايا التي يطرحها الفيلم مفتوحة: من هم الأشخاص الذين يتحدثون؟ وما المواقع التي شغلوها؟ وما مقدار معرفتهم المباشرة بالقرارات التي يصفونها؟
الإعلام الإسرائيلي بين التشكيك والمواجهة لم يكن الإعلام الإسرائيلي موحدًا في تعامله مع نازا. في مقابلة مع القناة 13 الإسرائيلية، واجه الصحفي رفيف دروكر المخرج يوفال أبراهام بأسئلة مباشرة حول كيفية التحقق من شهادات المصادر الـ24 المجهّلة، وما إذا كان بإمكان الجمهور التأكد من صحة الادعاءات التي يقدمها الفيلم. وكانت المقابلة نفسها مثالًا على طبيعة الجدل الذي يدور داخل إسرائيل: فالمخرج يطالب الجمهور بالاستماع إلى شهادات أشخاص من داخل المؤسسة العسكرية، بينما يطالب الصحفي بإثبات قابل للتحقق بشأن هويات هؤلاء الأشخاص وأدوارهم وما إذا كانت شهاداتهم تعكس معرفة مباشرة أم استنتاجات شخصية. وفي المقابل، وجه أبراهام انتقادات شديدة إلى الإعلام الإسرائيلي، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا منه لم يمنح ما يحدث في غزة، وخصوصًا معاناة المدنيين الفلسطينيين، المساحة التي يستحقها. وقد نقلت تقارير إسرائيلية عن أبراهام قوله إن هدفه هو أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم ويستمعوا إلى الجنود الذين يظهرون فيه، فيما رد الجيش بأن الادعاءات الواردة فيه لا يمكن التحقق منها وأن بعض ما يرد في مواده الترويجية غير صحيح. ويكشف هذا الخلاف عن سؤال أوسع من الفيلم نفسه: كيف غطى الإعلام الإسرائيلي الحرب في غزة، وإلى أي حد وصلت إليه الأصوات الفلسطينية والمدنية داخل إسرائيل؟
تغطية غزة.. سؤال داخل الإعلام الإسرائيلي هذا السؤال لم يظهر مع نازا فقط. فبحسب تقرير نشرته الجزيرة مستندًا إلى دراسة لمعهد الأبحاث الإسرائيلي Molad، فإن تحليلًا لتغطية القناة 12 خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب وجد حضورًا محدودًا للقضية الإنسانية في غزة، كما أشار إلى أن عدد الصور التي أظهرت ضحايا مدنيين فلسطينيين كان محدودًا للغاية. ونقلت الجزيرة عن الصحفية والباحثة الإسرائيلية أنات ساراغوستي، المسؤولة عن قضايا حرية الصحافة في اتحاد الصحفيين في إسرائيل، رأيًا مفاده أن الإعلام الإسرائيلي السائد لم يحقق بما يكفي في سلوك الجيش خلال الحرب ولم يغطِّ الحرب من المنظور الفلسطيني بالقدر الكافي. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الإعلام الإسرائيلي كان موحدًا في تغطيته أو أن جميع المؤسسات الإعلامية اتخذت الموقف نفسه. فقد تناولت وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة الفيلم من زوايا متباينة، بين التشكيك في مصادره ومناقشة مضامينه والبحث في التداعيات القانونية والسياسية التي ترتبت عليه. وفي مقابلة القناة 13، ظهر هذا التباين بوضوح: المخرج يتحدث عن ضرورة الاستماع إلى شهادات من داخل الجيش، بينما يطرح المحاور أسئلة تتعلق بقدرة الجمهور على التحقق من هذه الشهادات.
في مواجهة الاتهامات.. أصوات إسرائيلية تدافع عن الفيلم لكن المشهد الإسرائيلي لم يكن مكونًا فقط من المؤسسة العسكرية والحكومة والأصوات المنتقدة للفيلم. فبعد تصاعد الدعوات ضد أبراهام وشور، وقّعت 43 منظمة إسرائيلية في مجالات حقوق الإنسان والمساواة والسلام بيانًا تضامنيًا مع المخرجين، رافضة الدعوات إلى سحب جنسيتهما، بينما صدرت أيضًا مواقف من جهات في الوسط السينمائي الإسرائيلي تدعو إلى عرض الفيلم ومناقشته بدلًا من الحكم عليه قبل أن يراه الجمهور الإسرائيلي. كما وقّع مئات من صناع السينما الإسرائيليين على رسالة دعم للمخرجين، في وقت حذر فيه أصحاب الرسالة من تصاعد الخطاب العدائي والتهديدات الموجهة إليهما، مؤكدين أن النقد الفني والسياسي يجب أن يبقى جزءًا من النقاش العام. وفي المقابل، ظهرت في الشارع الإسرائيلي مظاهر احتجاج ضد المخرجين، بينها كتابات على الجدران تصفهما بـالخونة، كما تجمع محتجون أمام منزل والدي راشيل شور في سافيون ورددوا شعارات ضد صانعي الفيلم. وبذلك لم يتحول نازا إلى قضية بين الحكومة والمخرجين فقط، بل أصبح أيضًا اختبارًا للمجتمع الإسرائيلي نفسه: كيف يتعامل مع رواية نقدية تأتي من داخل المجتمع، لكنها تتناول سلوك المؤسسة العسكرية في حرب لا تزال آثارها السياسية والأمنية حاضرة بقوة؟
الفيلم قبل أن يراه الجمهور الإسرائيلي من المفارقات الأساسية في القضية أن جزءًا كبيرًا من العاصفة الإسرائيلية اندلع قبل أن يصبح الفيلم متاحًا على نطاق واسع للجمهور الإسرائيلي. فقد دافع المخرجان عن عملهما وطالبا بعرضه في إسرائيل، بينما طالب الجيش بمشاهدته كاملًا للرد على ما يرد فيه. وفي الوقت نفسه، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية تتناول الجدل السياسي والأمني المحيط به، قبل أن يحصل الجمهور على فرصة مشاهدة الفيلم والحكم على مادته بصورة مباشرة. وهنا تظهر أهمية مطالبة مجلس الأفلام الإسرائيلي بعرض العمل بصورة عاجلة أمام أعضائه والجهات المهنية، باعتبار أن عدم عرضه قد يزيد الجدل بدل أن يحسم الأسئلة المتعلقة بمضمونه.
أكثر من فيلم عن غزة أهمية نازا لا تكمن فقط في الادعاءات التي يقدمها، وإنما في المكان الذي اختار أن يروي منه قصته: من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها. فالفيلم يحاول الانتقال من صورة الحرب كما تظهر في البيانات الرسمية أو الأخبار اليومية إلى شهادات أشخاص يقول صناع الفيلم إنهم كانوا جزءًا من الأنظمة العسكرية والاستخباراتية التي شاركت في الحرب. لكن هذا الموقع نفسه يجعل الفيلم أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، يقدم شهادات من داخل المؤسسة؛ ومن جهة أخرى، فإن إخفاء هوية أصحابها يجعل التحقق المستقل من مواقعهم وأدوارهم أكثر صعوبة. ولهذا فإن الأسئلة التي أثارها الفيلم لا يمكن اختزالها في سؤال واحد حول ما إذا كان صحيحًا أو كاذبًا. فهناك أسئلة منفصلة تتعلق بهوية المصادر، ودقة شهاداتها، وما إذا كانت تمثل حالات فردية أم سياسات أوسع، وكيفية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن يتخذ القرار النهائي بشأن الضربات، وما هي آليات التحقيق والمساءلة داخل المؤسسة العسكرية. الجيش الإسرائيلي يقدم رواية مختلفة بصورة واضحة، وينفي الادعاءات الأساسية المتعلقة بطريقة اختيار الأهداف واستخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يتمسك صناع الفيلم بشهادات مصادرهم ويدعون الجمهور إلى مشاهدة العمل قبل الحكم عليه.
من يملك حق رواية الحرب؟ في النهاية، ربما يكون السؤال الأوسع الذي تركه نازا داخل إسرائيل هو سؤال من يملك حق رواية الحرب؟ هل تبقى رواية الحرب محصورة في البيانات العسكرية والمؤسسات الرسمية؟ أم أن للجنود الذين شاركوا فيها، والصحفيين الذين يحققون فيها، والمخرجين الذين يوثقونها، والجمهور الذي يدفع ثمنها، الحق في طرح أسئلة مختلفة؟ وبينما يرى منتقدو الفيلم أنه يعتمد على شهادات مجهّلة وادعاءات تحتاج إلى إثبات مستقل، يرى صانعوه أن أهمية العمل تكمن تحديدًا في أنه يفتح نافذة من داخل المؤسسة التي نادرًا ما يتحدث أفرادها بصورة علنية عن تفاصيل عملياتها. لهذا السبب، لم يعد نازا مجرد فيلم وثائقي عن غزة، ولا مجرد عمل سينمائي حاز جائزة في البندقية. لقد أصبح ساحة لنقاش إسرائيلي أوسع حول الجيش، والإعلام، والسرية الأمنية، وحرية التعبير، وحدود النقد، وحق المجتمع في مساءلة المؤسسات التي تعمل باسمه. وربما يكون الاختبار الحقيقي للفيلم الآن ليس الجدل الذي سببه قبل عرضه، وإنما ما سيحدث عندما يصبح متاحًا للجمهور الإسرائيلي، ويستطيع المشاهدون أن يروا بأنفسهم الشهادات والمواد التي أشعلت كل هذه المواجهة. فحينها فقط يمكن أن ينتقل النقاش من ماذا قيل عن الفيلم؟ إلى السؤال الأهم: ماذا يقول الفيلم فعلًا، وما الذي يمكن إثباته مما يقدمه؟ |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|