| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
|
كلما تقدمت بنا السنوات، أكتشف أن الإنسان لا يشتاق إلى الأماكن كما كانت، بل يشتاق إلى نفسه كما كان فيها.
نحن لا نشتاق إلى الطريق الترابي لأنه أجمل من الإسفلت، ولا إلى البيوت البسيطة لأنها أريح من بيوت اليوم، ولا إلى اللعب حفاة لأن الحفاء نعمة… نحن نشتاق إلى زمن كانت فيه الأشياء قليلة، ولكنها كانت تكفينا. كانت البيوت أصغر، والقلوب أوسع، والجيوب أخف، والضحكات أثقل في ميزان السعادة.
وحين أعود بذاكرتي إلى طفولتي في الطيرة، أجدني أمشي من جديد في طرقاتها الترابية، وأرى وجوها غابت، وأسمع أصواتا سكتت منذ زمن، وأشعر أن طفلا صغيرا ما زال يعيش في مكان ما بداخلي، يركض حافيا خلف كرة بين حجرين، ولا يعرف أن تلك الأيام التي كان يستعجل أن تكبر… سيقضي بقية عمره مشتاقا إليها.
مدرسة ذياب
درست المرحلة الابتدائية في مدرسة قريبة من بيتنا، كنا نسميها “مدرسة ذياب”، نسبة إلى مديرها الأستاذ ذياب.
كانت المدرسة بسيطة كبساطة بيوت الطيرة آنذاك. لا مباني فخمة، ولا ساحات حديثة، ولا شيء يشبه مدارس أيامنا هذه. لكن كان فيها شيء ربما أصبح اليوم أكثر ندرة من المباني الجميلة: الهيبة.
كان الأستاذ ذياب رجلا قوي البنية، شديدا، حازما، يعرف كيف يضبط المدرسة حتى تكاد تسمع الصمت فيها.
في السابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحا، كنا نقف في طوابير متوازية، وكل واحد منا يعرف مكانه.
يمر مربي الصف، وأحيانا المدير بنفسه، يتفقدنا واحدا واحدا: الشعر، الأظافر، النظافة، المنديل، الملابس…
ثم يبدأ صوت:
“استرح… استعد!”
فنستقيم جميعا، وكأننا جنود صغار نستعد لمعركة لا نعرف عنها شيئا سوى أن علينا ألا نتأخر عن الصف.وفي الثامنة تماما، ندخل صفوفنا بانتظام.أما المتأخرون، فكان لهم حساب آخر.
يجمعهم الأستاذ ذياب ويقودهم إلى غرفة المدير، وهناك ينتظرهم "بواب"المدرسة “الأمين”، لتبدأ حكاية “الفلقة”.
اليوم، حين نتذكرها، قد نختلف كثيرا حول تلك الأساليب، لكن الطفل الذي كنته آنذاك لم يكن يعرف شيئا عن فلسفات التربية الحديثة. كان يعرف فقط أن التأخر عن الطابور الصباحي مغامرة لا تستحق المخاطرة!
ومع ذلك، بقيت لتلك المدرسة في داخلي هيبة غريبة.
ربما لأننا كنا نخاف المدير قليلا، ونحترم المعلم كثيرا، ونعتقد أن المدرسة مكان له حرمة، وأن للعلم مكانة لا يجوز العبث بها.
دفتر التبرعات… والحلوى وعربة الحمار
ومن أجمل ما بقي في ذاكرتي حادثة وقعت عندما كنت في الصف الخامس.
استدعاني المدير ذياب أنا وزميلي عبد الرحمن سعيد عبد الحي، “عبد السعيد”، وكلفنا بمهمة شعرنا يومها أنها مهمة وطنية ودينية عظيمة:
أن نجوب البلدة لجمع التبرعات لبناء مسجد جديد.
سلّمنا دفتر إيصالات، حتى نعطي كل متبرع سند قبض بالمبلغ الذي دفعه.لكن أهل ذلك الزمن كانوا أبسط من ذلك بكثير.
كان الواحد منهم يضع ما يستطيع من المال، ولا يسأل عن إيصال ولا توقيع ولا ختم.
“للمسجد؟”
هذه وحدها كانت تكفي.فالحسنة بعشرة أمثالها، والثقة يومها لم تكن بحاجة إلى ورقة تثبتها.
جمعنا أموالا كثيرة…
ولكننا كنا طفلين أيضا!
وبين المسجد والحسنة والأجر، كانت هناك “الطعمة” و”البفلة” و”راس العبد” وأصناف الحلوى التي كان من الصعب على طفلين مقاومة إغرائها!
وكان المشي في شوارع البلدة يتعبنا، فاهتدينا إلى “حل عبقري”: استأجرنا من خالد مصاروه (الزيتاوي )عربة حمار، وأكملنا عليها جولتنا لجمع التبرعات!
كلما تذكرت المشهد أبتسم.طفلان، دفتر إيصالات، عربة حمار، بعض الحلوى، وحلم ببناء مسجد.
كم كانت الدنيا بسيطة…
وكم كنا سعداء ونحن لا نملك من الدنيا شيئا تقريبا.
ملعبنا الذي لم يكن ملعبا
في أيام العطل، وخصوصا الجمعة والسبت، كانت ساحة المدرسة تتحول إلى ملعب أحلامنا.
لم يكن هناك عشب أخضر، ولا مرمى حقيقي، ولا خطوط بيضاء، ولا أحذية رياضية تحمل أسماء نجوم العالم.
كان عندنا ما هو أهم:
كان عندنا أصحاب، وكرة، ووقت طويل لا يطاردنا فيه شيء.
نختار شجرتي كينا متقاربتين لتكونا مرمى، وفي الجهة الأخرى نضع حجرين بالمسافة نفسها، وتنطلق المباراة.
وكان صاحبنا غسان، الملقب بـ”الضبع”،رحمه الله،يصل متأخرا.
لكنه لم يكن يأتي طالبا الإذن بأدب!كان يدخل بهيبة صاحب الملعب ويكرر:
“بدّي ألعب… فش لعب!”
أي: إما أن ألعب، وإما ألا يلعب أحد!
وكنا، حفاظا على سلامة المباراة وربما سلامتنا أيضا، نجد له مكانا في أحد الفريقين!
أين أنت يا غسان؟
وأين تلك الأيام التي كان أكبر خلاف فيها أن يدخل لاعب متأخر إلى الفريق أم لا؟
ربع ليرة كان يكفينا
كان مصروفنا اليومي ربع ليرة.ربع ليرة فقط.
والغريب أنها كانت تزيد عن حاجتنا.
ننتظر بفارغ الصبر انتهاء الحصة الثالثة، ثم ننطلق نحو دكان أم شفيق المحاذي للمدرسة.
كانت تطل علينا من نافذة إحدى غرف البيت، ويتجمع أمامها خمسة عشر طفلا أو أكثر، وكل واحد يصيح بطلبه.
“لخمنيوت”، أو ساندويش فيه مخلل خيار، أو بعض حبات الحلوى.
وفي الصفوف الأعلى، أصبح حسني المختار يأتي يوميا على دراجته، يحمل كرتونة مليئة بسندويشات الفلافل.
وما إن يظهر حتى نلتف حوله.
لا تطبيقات توصيل، ولا مطاعم فاخرة، ولا قوائم طويلة نحتار بينها.
ساندويش فلافل من كرتونة على دراجة…
وكان مذاقه، في ذاكرتي على الأقل، يفوق أشياء كثيرة أكلناها بعد ذلك في أفخم الأماكن.ربما لأن الطعام لا يصنع مذاقه الطباخ وحده.
العمر الذي نأكله فيه يضع نكهته أيضا.
كنا نلعب حفاة… ولم نكن نشعر أننا فقراء
كانت طرقات الطيرة ترابية.السيارات قليلة، وعربات الحمير والخيول جزء طبيعي من المشهد؛ تنقل الناس والخضار والفواكه وأثاث البيوت.
أما نحن، فكانت أي قطعة أرض تصلح ملعبا.
أربعة حجارة تكفي: حجران هنا وحجران هناك.
وهكذا يولد “الاستاد”.
وكثيرا ما كنا نلعب حفاة.
ذات يوم، مر خالي أحمد، أبو إسلام، (رمه الله)عائدا من عمله في الفلاحة شرقي الطيرة.
كان يمتلك جيبا مغطى من الخلف بشادر جيشي، وكان امتلاك سيارة في تلك الأيام دلالة على حال مادي جيد.
رآني ألعب حافيا فجن جنونه
صرخ:
“كيف بتلعب وإنت حافي القدمين؟”
وما زلت أذكر وجهه، وعصبيته، وشرايين رقبته البارزة.
اخذني الى بيتنا ،ثم رفع صوته:
“شفيقة! يا شفيقة!”
خرجت أمي إلى باب البيت.
“تفضل يا خوي.”
قال لها مستغربا:
"كيف بتسمحي لابنك يلعب وهو حافي؟”
نظرت إلي أمي وسألتني:
“ليش إنت حافي يمّه يا فالح؟”
فأجبتها بمنطق الطفل الذي لا يعرف المواربة:
“ما في عندي حفّاية.”
نظرت أمي إلى أخيها وقالت:
“بدّي أطلب منك هالطلب يا خوي.”
قال:
تفضلي
قالت:
بعد بكرة العيد… وكل سنة وإنت سالم. بكرة بيجي عندك فالح وبتشتريله أواعي العيد من عند العطشان
فأجابها:
بشرط إنه ما ييجي حافي!
اشترت لي أمي حفاية جديدة وفي اليوم التالي لبستها، وانطلقت فرحا إلى بيت خالي لأذهب معه لشراء ملابس العيد.لكن في منتصف الطريق تقريبا كان الجامع الوحيد الدي كان انذاك في الطيره
ولا أعرف ماذا دار في رأس ذلك الطفل يومها، لكنني قلت لنفسي: أدخل وأصلي ركعتين لله، وأصلي الظهر
دخلت
صليت
وكانت تلك، كما أذكر، أول صلاة لي طفلا في جامع البلدة.
خرجت بعدها وأنا أشعر أنني فعلت شيئا عظيما…
فوجدت أن الحفاية الجديدة اختفت!
بحثت يمينا ويسارا.
لا شيء.
ربما لبسها أحد المصلين بالخطأ، وربما سرقت.
لا أعرف حتى اليوم.
لكنني أعرف أنني وقفت أمام الجامع مذهولا:
كيف سأذهب الآن إلى خالي أبي إسلام، وهو الذي اشترط بالأمس ألا آتي إليه حافيا؟!
والمفارقة أنني ذهبت إليه… حافيا.
شرحت له ما حدث.
فاشترى لي ملابس العيد، واشترى لي حفاية أخرى، وربت على ظهري.
وهكذا بقيت أول صلاة لي في الجامع مرتبطة في ذاكرتي بحفاية دخلت معي ولم تخرج!
واليوم، بعد كل هذه السنين، لا أذكر ثمن الحفاية، ولا لون ملابس العيد، ولا كم دفع خالي.
لكنني أذكر يده وهي تربت على ظهري.
وهنا تكمن غرابة الذاكرة:
تنسى الأشياء… وتحفظ الحنان.
عندما كانت الطيرة تجتمع حول جهاز تلفاز
لم تكن طفولتنا لعبا ومدرسة وحلوى فقط،كان هناك حلم أكبر يدخل بيوتنا من بعيد
كان اسمه جمال عبد الناصر.
كان أهالينا، ومعهم كثير من أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني، يرون فيه رمزا للأمل القومي، وقائدا قد يستطيع أن يغير واقعا ثقيلا عاشه الناس في تلك المرحلة.
كنت أرى صوره في الشوارع وعلى الجدران.
وجهه، بدلته، ربطة عنقه، وصوره مع ابنه خالد.
جمال عبد الناصر، فإن كثيرا من تفاصيل تلك المرحلة لم أحفظها من ذاكرتي الشخصية، فقد كنت أصغر من أن أعي معناها، وإنما وصلت إليّ من أحاديث أهلي ومن روايات الكبار الذين عاشوا تلك الأيام.
وعندما كان يخطب، كان الناس يتركون أعمالهم ليستمعوا إليه.
تخيلوا…
كانت الطيرة كلها تقريبا تبحث عن تلفاز!
كان هناك جهاز في بيت لطفي قاسم “الدنا”، يشترك فيه مع حسن بشارة، وكان الناس يتوافدون لمشاهدة خطب عبد الناصر مقابل مبلغ من المال.
أما الجهاز الآخر فكان في مقهى أبو ريان، فيجتمع الناس هناك أيضا.
اليوم يحمل كل طفل شاشة في يده يستطيع أن يرى من خلالها العالم كله.
أما يومها، فكان عشرات الرجال يجلسون أمام شاشة واحدة صغيرة، ويصمتون عندما يبدأ رجل في القاهرة بالكلام.
ربما امتلكنا اليوم ملايين الشاشات…
لكن من النادر أن يجتمع الناس حول شيء واحد كما كانوا يجتمعون يومها.
ثم جاءت سنة 1967.
وانكسر شيء كبير في النفوس.
لم تكن الهزيمة بالنسبة إلى الكبار خبرا عسكريا فقط، بل كانت انهيار حلم علقوا عليه كثيرا من الآمال.
ثم جاء عام 1970 ورحل جمال عبد الناصر.
وحزنت الطيرة.
أقيمت مجالس العزاء والجنازات الرمزية، واجتمعت النساء يبكين ويندبن، وكانت مشاهد الحزن عميقة في ذاكرة ذلك الجيل.
بالنسبة إلى كثيرين، لم يكن الخبر يومها مجرد موت رئيس دولة بعيدة.
كان موت حلم.
ومع مرور السنين تعلمنا أن الشعوب لا ينبغي أن تضع أحلامها كلها في رجل واحد، مهما أحبته، لأن الرجال يرحلون، أما الشعوب فعليها أن تبقى وتحمل أحلامها بنفسها.
ماذا بقي من كل ذلك؟
بقي الكثير.
بقيت مدرسة ذياب.
وبقي “استرح… استعد”.
وبقيت الفلقة التي كنا نهرب من مجرد التفكير فيها.
وبقي عبد السعيد ودفتر تبرعات المسجد.
وبقيت عربة الحمار.
وبقي طعم “راس العبد” والبفلة.
وبقيت شجرتا الكينا اللتان تحولتا في خيالنا إلى مرمى عالمي.
وبقي غسان واقفا على طرف الملعب يهددنا:
بدّي ألعب… فش لعب!
وبقيت نافذة أم شفيق.
ودراجة حسني المختار وكرتونة الفلافل.
وبقي صوت خالي أبي إسلام يناديني لأنني ألعب حافيا.
وبقي صوت أمي:
ليش إنت حافي يمّه يا فالح؟
وبقي الجامع…
والحفاية التي ضاعت في أول صلاة.
وبقي رجال الطيرة متراصين حول تلفاز صغير ينتظرون خطابا قادما من القاهرة.
كل ذلك رحل…
وكل ذلك، بطريقة غريبة، ما زال هنا.
أحيانا أسير اليوم في الطيرة وأنظر إليها.
البيوت أصبحت أجمل وأكبر.
الشوارع معبدة.
السيارات تملأ الطرقات.
أطفالنا يملكون من الملابس والأحذية والألعاب والأجهزة ما لم نكن نستطيع حتى تخيله.
نحن بالتأكيد نعيش حياة أكثر راحة، ولا أريد أن أظلم الحاضر بتقديس الماضي؛ ففي الماضي أيضا كان التعب والفقر والخوف والقسوة وأشياء كثيرة لا نتمنى عودتها.
لكن شيئا ما فقدناه ونحن نتقدم.
لا أعرف له اسما واحدا.
ربما كان البساطة.
ربما كان القرب.
ربما كانت تلك القدرة العجيبة على الفرح بالقليل.
كنا نملك ربع ليرة فنشعر أننا أغنياء.
نضع أربعة حجارة في الشارع فنمتلك ملعبا.
نركب عربة حمار فنشعر أننا في رحلة.
نأكل ساندويش فلافل فنعود إلى الصف سعداء.
نشتري “حفاية” جديدة فننتظر العيد وكأن الدنيا كلها ستحتفل بنا.
لم تكن الحياة أجمل لأنها كانت أسهل.
بل ربما كانت أصعب بكثير.
لكن قلوبنا كانت أخف.
واليوم، كلما عدت إلى تلك الأيام، أفهم أن طفولتنا لم تكن فقيرة كما قد تبدو في الصور القديمة.
كنا أغنياء بأشياء لا توضع في البنوك:
بالأم التي تنادي من باب البيت.
بالخال الذي يغضب لأن ابن أخته يلعب حافيا.
بالجار الذي يعرف ابن جاره.
بالصديق الذي يكفي أن يظهر في آخر الشارع حتى تبدأ المغامرة.
وبحارة كاملة كانت تعرف أبناءها واحدا واحدا.
هذه ليست حكايتي وحدي.
إنها حكاية جيل كامل من أبناء الطيرة، وربما حكاية جيل كامل من قرانا ومدننا.
لكل واحد منا “مدرسة ذياب” خاصة به.
ولكل واحد “أم شفيق”.
ولكل واحد ملعب بين أربعة حجارة، وصديق يشبه “الضبع”، وساندويش ما زال مذاقه في فمه بعد خمسين سنة.
ولكل واحد منا حفاية ضاعت في مكان ما على طريق العمر.
ولهذا أكتب.
لا لأقول إن الماضي كان كاملا، ولا لأهرب من الحاضر.
أكتب لأنني أخشى أن ترحل تلك الطيرة مرتين:
مرة عندما تغيرت…
ومرة عندما يموت آخر من يتذكرها.
أما أنا، فما دامت الذاكرة تسعفني، سأحاول أن أترك شيئا منها على الورق.
لعل طفلا من أحفادنا يقرأ يوما هذه الكلمات، وينظر إلى شوارع الطيرة وبيوتها الكبيرة، ثم يحاول أن يتخيل أن جده كان هنا ذات يوم طفلا صغيرا…
يركض حافيا فوق التراب،
وفي جيبه ربع ليرة،
وفي رأسه ألف حلم،
وكان يظن أن أجمل أيام حياته لم تأت بعد.
ولم يكن يعرف…
أن بعض أجملها كان يمر أمامه في تلك اللحظة.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|