| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
|
كنت استمع منذ يومين لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر وهو يتساءل: لماذا يتعرض إسرائيليون لأعمال عدائية في أماكن مختلفة من العالم؟ ثم لا يترك لنا وقتاً للتفكير، فيقدّم الإجابة بنفسه: الكراهية، أوروبا، و"شيطنة الدولة اليهودية الوحيدة في العالم". جميل. السؤال طُرح، والتحقيق انتهى، والمتهم معروف سلفاً: العالم. بداية، أي اعتداء على إنسان لأنه يهودي أو مسلم أو مسيحي، أو بسبب عرقه أو قوميته، هو فعل عنصري ومدان أخلاقياً. لكن يا سيد ساعر، هذا ليس موضوعنا. موضوعنا هو: كيف يستطيع سياسي، وحقوقي، ووزير خارجية، أن ينظر إلى سلسلة من الأفعال وردود الأفعال، ثم يحذف الأفعال ويُبقي الردود، ويسأل بدهشة: لماذا يحدث هذا لنا؟ وهنا لا نتحدث عن نقص في المعلومات، بل عن طريقة في التفكير. هناك عقل يسأل: ماذا تقول الوقائع؟ وهناك عقل يسأل: كيف أرتب الوقائع بحيث تقول ما أريد أن أسمعه؟ في علم النفس الاجتماعي يسمى هذا "التفكير المدفوع": لا يستخدم الإنسان عقله دائماً للوصول إلى الحقيقة؛ أحياناً يستخدم ذكاءه للوصول إلى النتيجة التي يحتاج إلى تصديقها، ثم يبني لها مرافعة أنيقة. فالذكاء لا يمنع خداع النفس؛ أحياناً يجعله أكثر براعة. وعندما تصبح الدولة جزءاً من الهوية النفسية والسياسية، يصبح الاعتراف بخطئها تهديداً لصورة الذات: نحن أخلاقيون، نحن ديمقراطيون، نحن ندافع عن أنفسنا، وجيشنا أخلاقي، والآخرون فقط لا يفهموننا. ومن هنا تنشأ الفقاعة. إذا انتقدك صحفي فهو متحيز. إذا انتقدتك الأمم المتحدة فهي معادية لإسرائيل. إذا تحركت محكمة دولية فهي مسيّسة. إذا فرضت دولة صديقة عقوبات فهي تستسلم لمعاداة السامية. وإذا تظاهر مئات الآلاف في عواصم مختلفة، فالمشكلة، بالطبع، في العالم كله. المذهل في هذه المنظومة أنها لا تستطيع أن تخسر النقاش: كل دليل ضدها يتحول إلى دليل جديد لصالحها. لكن أي تفسير عقلاني يجب أن يسمح بوجود دليل يُؤيده، ودليل مضاد قد يجبر صاحبه على مراجعته. هكذا يعمل البحث العلمي. أما إذا كانت كل نتيجة تؤكد فكرتك، فأنت لا تملك تفسيراً للواقع، بل نظاماً عقائدياً مغلقاً. لذلك أسألك يا ساعر: ما الدليل الذي لو رأيته سيجعلك تقول: ربما ليست المشكلة كلها في العالم؟ فنحن في عام 2026، والعالم لا يستقي المعلومات عبر رسائل بريديه، فهو يشاهد ما يجري في الضفة الغربية من عنف مستوطنين وتهجير وتوسع استيطاني. ومنذ أيام تحركت بريطانيا وفرنسا وكندا ضد منتجات المستوطنات، وربطت خطواتها بالاستيطان وعنف المستوطنين. لاحظ المفارقة: العالم يقول: نحن نرد على سلوك محدد. والرد الإسرائيلي يقول: أنتم تستهدفوننا. وكأن الفعل الإسرائيلي يختفي لحظة وصوله إلى الحدود. يمكن لساعر رفض الأمم المتحدة والطعن في المحاكم ومهاجمة الصحافة. هذا حق سياسي. لكن عندما تضطر إلى إلغاء شهادة الجميع كي تبقى روايتك وحدها صحيحة، فربما حان وقت الاحتمال المزعج: المشكلة ليست في الجميع. وهنا نصل إلى "الانفصال الأخلاقي" عند ألبرت باندورا. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يقول لنفسه: أنا شرير. يكفي أن يعيد تسمية ما يفعله بأسماء أخرى. القتل يصبح "ضرورة أمنية". تدمير الأحياء يصبح "عملية عسكرية". معاناة المدنيين تصبح "أضراراً جانبية". والتهجير يصبح "واقعاً أمنياً". ثم تنتقل المسؤولية دائماً إلى الطرف الآخر، حتى تجد دولة تمتلك جيشاً وطائرات ودبابات وسجوناً وحواجز ومستوطنات، لكنها تكاد تختفي من روايتها عن السببية. كل شيء يحدث لها. ولا شيء يحدث بسببها. وهنا تكتمل عقلية الحصار. للمفارقة، قبل أكثر من ثلاثة عقود، درس الباحثان الإسرائيليان دانيال بار-تال وديكلا عنتيبي هذه الظاهرة، وربطاها بانعدام الثقة بالعالم الخارجي، والحساسية تجاه المعلومات القادمة منه، والضغط نحو الامتثال والسلوك الدفاعي. ربما كان ينبغي وضع البحث على مكتب وزير الخارجية. فأخطر ما تفعله عقلية الحصار ليس أن تخبرك بوجود أعداء، بل أن تبني جداراً معرفياً يجعل كل ما يأتي من الخارج مشبوهاً قبل أن يُفحص. نحن نقصف لأننا مضطرون. نحاصر لأننا مهددون. نستوطن لأن لنا حقاً لا يُناقش. ونعتقل لأن الأمن يتطلب ذلك. ثم يغضب العالم. فتسألون: لماذا يكرهوننا؟ يا ساعر، ربما لأن الفعل له نتيجة. الطفل يتعلم أن دفع شيء عن الطاولة يجعله يسقط. والإنسان الناضج يتعلم أن سلوكه يغيّر نظرة الآخرين إليه. أما في الفقاعة السياسية الإسرائيلية، فيبدو أحياناً أن قانون السببية يتوقف عند الحدود. وهنا يصبح الأمر أخطر من الدعاية. الدعاية هي ما تقوله للآخرين. أما المرحلة الأخطر فهي عندما تعيش داخل الدعاية التي صنعتها، حتى تصبح اللغة السياسية بديلاً عن الواقع. عندها لا تحتاج الدولة إلى من يكذب عليها. لقد أصبحت قادرة على القيام بالمهمة بنفسها. المأساة في سؤال ساعر ليست أنه لا يعرف الوقائع؛ من الصعب تصديق ذلك. بل أن المنظومة التي يتحدث من داخلها تستطيع معرفة الوقائع من دون السماح لها بتغيير الاستنتاج. النضج الأخلاقي يبدأ بالقدرة على الاحتفاظ بفكرتين معاً: قد يكرهني بعض الناس ظلماً. وقد يكون لدى آخرين سبب حقيقي للغضب مني. الدولة التي تعجز عن الاحتمال الثاني لا تستطيع مراجعة نفسها. وعندها لا يعود السؤال: لماذا عزلنا العالم؟ بل: متى عزلنا أنفسنا عن الواقع؟ |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|