| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
|
من أكثر مفارقات نضالات المساواة إيلامًا أن الجماعات التي اختبرت الإقصاء بنفسها ليست بالضرورة أكثر مناعة من إعادة إنتاجه في داخلها. فالمعاناة من التمييز لا تعني تلقائيًا أن المجتمع قد تحرر من علاقات القوة التي تُقصي بعض أفراده أو تدفع بهم إلى هوامش التأثير. ومن هنا يصعب تجاهل حقيقة أننا، كمجتمع عربي، ما زلنا عاجزين إلى حد بعيد عن تفكيك آليات تدفع النساء بعيدًا عن مراكز القوة وصنع القرار في حياتنا السياسية. إعادة تشكيل القائمة المشتركة هي، بلا شك، تطور سياسي مهم. ففي مرحلة يواجه فيها المجتمع العربي أزمات عميقة ومركبة، تصبح الحاجة إلى قوة سياسية موحدة ومؤثرة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. لكن الوحدة السياسية لا تُقاس فقط بعدد الأحزاب التي تنجح في الاتفاق فيما بينها، بل أيضًا بمدى اتساع دائرة الشراكة التي تصنعها. من تشمل هذه الوحدة فعلًا، ومن يبقى خارج دوائر القوة فيها؟ عند النظر إلى القائمة التي تبلورت حتى الآن، نجد امرأتين فقط ضمن المواقع الثلاثة عشر التي أُعلن عنها، وكلتاهما خارج النواة الآمنة للقائمة. أما في القائمة العربية الموحدة، فالصورة ليست أفضل بكثير: امرأة واحدة فقط ضمن المواقع الخمسة الواقعية. أي أن الوحدة التي تحققت لم تتحول بعد إلى شراكة جندرية حقيقية. فالتمثيل السياسي لا يُقاس بمجرد وجود أسماء نسائية على القوائم. هناك فرق جوهري بين الحضور الشكلي والحضور المؤثر. قد تكون المرأة موجودة في القائمة، وقد تستوفي بذلك الأحزاب شرطًا رمزيًا أو شكليًا، لكن السؤال الأهم هو: هل هي في موقع يتيح لها أن تُنتخب، وأن تشارك في تحديد الأولويات، وأن تؤثر فعلًا في القرارات؟ وجود امرأة في موقع غير واقعي قد يسمح بالقول إن "النساء ممثلات"، لكنه لا يعني أنهن شريكات في القوة. والحضور قد يكون رمزيًا حتى عندما يكون موجودًا فعليًا على الورق. وحين نتحدث عن المرأة العربية، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فنحن لا نتحدث عن مجرد تراكب هويتين مهمشتين، بل عن تقاطع منظومات مختلفة من القوة. الانتماء إلى أقلية قومية والانتماء الجندري لا يعملان في مسارين منفصلين، بل يتداخلان ويؤثر كل منهما في الآخر. وهنا قد يتحول الخطاب القومي القائل: "لنحصل أولًا على تمثيلنا كأقلية" إلى ذريعة لتأجيل السؤال الجندري إلى وقت لاحق. لكن النضالين ليسا متنافسين. كلاهما يعود إلى السؤال نفسه: من يملك حق الحضور في المكان الذي تُرسم فيه ملامح حياتنا المشتركة؟ ومواقع القوة لا تُصان فقط عبر قرارات معلنة أو مواقف صريحة، بل أيضًا من خلال العادات، والعلاقات الاجتماعية، والأقدمية، والقدرة على الوصول إلى الموارد، والصورة المسبقة عمّن يُنظر إليه بوصفه "قائدًا طبيعيًا". وهكذا قد لا يقول أحد إن النساء غير جديرات بالقيادة، ومع ذلك تبقى النتيجة، مرة بعد أخرى، أن المواقع الأكثر أمانًا وتأثيرًا تذهب إلى الرجال. ولأن هذه الآليات تعمل أحيانًا بصمت، يصبح من السهل وصف النتيجة بأنها طبيعية أو عفوية أو مجرد انعكاس لـ"الواقع"، بدل أن نسأل من يصنع هذا الواقع وكيف يُعاد إنتاجه. وهنا لا يعود نقص تمثيل النساء قضية تخص النساء وحدهن، بل يصبح خسارة للمجتمع بأكمله. فعندما تغيب النساء عن مراكز صنع القرار، لا نخسر فقط تمثيل نصف المجتمع، بل نخسر أيضًا جزءًا أساسيًا من المعرفة والخبرة والأسئلة التي يجب أن تصل إلى طاولة القرار. النساء العربيات يعشن بصورة مباشرة قضايا العمل والتعليم والعنف والخدمات الصحية والمسؤولية العائلية والحيز العام والعلاقة مع مؤسسات الدولة. وهذا لا يعني أن هناك "صوتًا نسائيًا واحدًا" أو أن جميع النساء يفكرن بالطريقة نفسها؛ بل يعني أن السياسة تصبح أكثر قدرة على فهم المجتمع كلما اتسعت دائرة الخبرات التي تشارك في صياغتها. النساء العربيات لا يطلبن منّة ولا مقعدًا رمزيًا. وبقدر ما أستطيع فهم هذا المطلب كرجل، مع إدراكي لحدود هذه الزاوية، فإن جوهره بسيط: أن تعكس القوة السياسية المجتمع الذي تدّعي تمثيله بصورة أكثر صدقًا، وألا تستمر في إعادة إنتاج بنى تاريخية أبوية تبقى فيها مواقع النفوذ في أيدي الرجال. والأحزاب العربية تعرف جيدًا كيف تبني توازنات بين المسلمين والمسيحيين والدروز والمناطق المختلفة عندما ترى في ذلك ضرورة سياسية أو مجتمعية. وعندما تُعتبر هوية معينة أساسية لشرعية القائمة، يُعثر لها على موقع. لذلك لا يوجد ما يمنع من التعامل مع التمثيل الجندري بالجدية نفسها. المسألة ليست غياب الكفاءات، بل ترتيب الأولويات. المساواة ليست مبدأ نطالب به فقط ممن هم أقوى منا. قيمتها الحقيقية تظهر أيضًا حين تصبح القوة في أيدينا، فنُسأل كيف نوزعها، ومن نُشرك في استخدامها، ومن نتركه خارجها. والمجتمع الذي يطالب الأغلبية بأن تراه وأن تفتح له أبوابها لا يستطيع أن يتجنب السؤال عن الأبواب التي ما زال هو نفسه يبقيها مغلقة. النساء العربيات لم يعدن ينتظرن إذنًا لدخول المجال العام. هن موجودات فيه منذ سنوات، يقُدن، ويبادرن، ويؤثرن. والتحدي الحقيقي أمام السياسة العربية ليس أن تصنع لهن مكانًا جديدًا، بل أن تعترف بأن هذا المكان حق لهن أصلًا. لا منّة من زعيم، ولا تنازلًا في مفاوضات، ولا بندًا تجميليًا في قائمة انتخابية، بل جزءًا طبيعيًا وأصيلًا من أي معنى حقيقي للشراكة والتمثيل والقوة السياسية. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|