xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
«ألتالينا» تعود من قاع البحر… فتطفو معها صراعات الماضي وحسابات نتنياهو وبن غفير رحيل الفنان الفلسطيني سليمان منصور.. "جمل المحامل" تودّع صاحبها أمريكا لحماس: إذا حاولتم الخداع فلن يقف أحد في طريق إسرائيل القدس الشرقية: مقتل ثلاثة أشخاص بإطلاق نار على خلفية نزاع بين عائلتين اتصالات بين رئيس الموساد ووزير الخارجية السوري بشأن النشاط التركي الموجز

«ألتالينا» تعود من قاع البحر… فتطفو معها صراعات الماضي وحسابات نتنياهو وبن غفير

«ألتالينا» تعود من قاع البحر… فتطفو معها صراعات الماضي وحسابات نتنياهو وبن غفير

المصدر : العين الإخبارية
 

تل أبيب – لم يكن العثور على حطام سفينة «ألتالينا» مجرد استعادة لفصل من تاريخ إسرائيل، بعد نحو ثمانية عقود على غرقها قبالة شواطئ تل أبيب. فالسفينة التي تحولت منذ عام 1948 إلى أحد أكثر رموز الانقسام حساسية في اليمين الإسرائيلي، عادت إلى الواجهة في لحظة سياسية شديدة التعقيد، لتكشف، ولو بصورة غير مباشرة، عن توتر متزايد بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

كان يفترض أن تكون المناسبة احتفالية بامتياز: العثور على أثر مادي من واحدة من أكثر محطات تأسيس الدولة إثارة للجدل. لكن المشهد السياسي الذي رافق الإعلان سرعان ما منح الحدث معنى آخر. فقد حضر نتنياهو وبن غفير المناسبة نفسها، لكنهما لم يظهرا معًا في المشهد الذي كان متوقعًا أن يجمعهما، فيما اختار رئيس الحكومة الإدلاء بتصريح منفصل ركز فيه على الدروس التي يرى أن إسرائيل مطالبة باستخلاصها من مأساة «ألتالينا».

أما بن غفير، فلم يفوّت المناسبة. ففي كلمته، استحضر اسم مناحيم بيغن، زعيم منظمة «الإرغون» في حينه، في إشارة فهمها مراقبون باعتبارها رسالة سياسية تتجاوز المناسبة التاريخية نفسها.

وهكذا، عادت «ألتالينا» إلى سطح الحياة السياسية الإسرائيلية، لا بوصفها سفينة غارقة فحسب، بل بوصفها استعارة لصراع قديم حول السلطة والشرعية والهوية داخل اليمين الإسرائيلي.

سفينة حملت السلاح وانتهت إلى أن تصبح رمزًا

وصلت «ألتالينا» إلى سواحل فلسطين في يونيو/حزيران 1948، بعد أسابيع قليلة من إعلان قيام إسرائيل. وكانت السفينة تابعة لمنظمة «الإرغون»، التي كان يقودها مناحيم بيغن، وتحمل شحنة من الأسلحة والذخائر.

لكن الدولة الجديدة كانت في مرحلة تأسيس بالغة الحساسية. فقد كان ديفيد بن غوريون يعمل على توحيد القوى العسكرية المختلفة داخل إطار جيش إسرائيلي واحد، وإنهاء وجود التنظيمات المسلحة التابعة للأحزاب والحركات السياسية.

ومن هنا نشأ الخلاف حول مصير الأسلحة الموجودة على متن «ألتالينا». ومع تعذر التوصل إلى تسوية، تصاعد التوتر إلى مواجهة مسلحة بين قوات الجيش الإسرائيلي ومقاتلي «الإرغون». وانتهت المواجهة بإطلاق النار على السفينة وإغراقها قبالة شاطئ تل أبيب.

لم تنتهِ قصة «ألتالينا» عند غرقها. فقد تحولت الحادثة مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر الذكريات السياسية استقطابًا في تاريخ إسرائيل الحديث. ففي اليمين، أصبحت رمزًا لما يعتبره أنصار بيغن و«الإرغون» مواجهة قاسية مع السلطة السياسية في بدايات الدولة، بينما تُستعاد في الخطاب الإسرائيلي الأوسع باعتبارها تحذيرًا من خطر الحرب الداخلية وانقسام المجتمع والدولة الناشئة على نفسها.

ثمانية عقود تحت الماء

بعد نحو 78 عامًا، عادت السفينة إلى الواجهة من قاع البحر.

فقد أعلنت إسرائيل العثور على حطام «ألتالينا» على عمق يقارب 503 أمتار قبالة الساحل الإسرائيلي، بعد عملية بحث بحرية استمرت أشهرًا واستخدمت خلالها تقنيات متقدمة للمسح والاستشعار وتحديد المواقع.

وجاءت المبادرة في إطار مشروع ارتبط بوزير التراث عميحاي إلياهو، فيما تولى روني سديه، مدير قسم الخرائط البحرية في دائرة المساحة الإسرائيلية، إدارة العملية.

كان يمكن للاكتشاف أن يبقى في إطار حدث تاريخي وأثري، وأن يُقدَّم باعتباره استعادة لقطعة نادرة من ذاكرة الدولة. إلا أن الطريقة التي رافقت بها الحكومة الإعلان، والتنافس على رواية الحدث، سرعان ما نقلت «ألتالينا» من قاع البحر إلى قلب السجال السياسي.

من يروي قصة «ألتالينا»؟

أحد أوجه التوتر برز في مسألة تبدو للوهلة الأولى بروتوكولية: من صاحب المبادرة ومن يملك حق تقديم قصة الاكتشاف؟

فالإعلان الأول عن العثور على السفينة جاء من جانب مكتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير التراث عميحاي إلياهو، وهو ما فتح الباب أمام أسئلة سياسية وإعلامية بشأن موقع رئيس الحكومة في حدث يحمل رمزية خاصة لليمين الإسرائيلي.

لاحقًا، حرص نتنياهو على تقديم روايته الخاصة، مركزًا على الدرس السياسي الذي يرى أن «ألتالينا» تركته لإسرائيل.

وفي رسالته، شدد على أن «حرب الإخوة» لا ينبغي أن تتكرر، وأن الانقسام الداخلي يضعف الدولة، بينما تمثل الوحدة مصدر قوة. وربط نتنياهو هذه الرسالة بالحاجة إلى توسيع قاعدة الحكم وإقامة حكومة وطنية واسعة.

لكن المفارقة لم تكن في مضمون الرسالة بقدر ما كانت في المشهد المحيط بها: رئيس حكومة يتحدث عن ضرورة تجنب الانقسام الداخلي، في وقت كانت فيه المناسبة نفسها تكشف عن تباعد سياسي واضح بينه وبين أحد أبرز شركائه في الائتلاف.

بن غفير يستدعي بيغن

في المقابل، بدا أن بن غفير قرأ المشهد بطريقة مختلفة.

فخلال كلمته، استعاد صورة مناحيم بيغن، الشخصية المركزية في قصة «ألتالينا»، مشيرًا إلى أن بيغن كان يعرف معنى الملاحقة. وجاءت الإشارة في وقت كان فيه نتنياهو قد تجنب الظهور المشترك مع بن غفير، الأمر الذي منح العبارة وزنًا سياسيًا إضافيًا.

لم يكن استحضار بيغن تفصيلًا عابرًا. فبالنسبة إلى بن غفير، يمثل بيغن أحد أهم رموز اليمين الإسرائيلي التاريخية، كما أن قصة «ألتالينا» نفسها تحتل مكانة خاصة في الذاكرة السياسية لهذا المعسكر.

ومن هنا، قرأ مراقبون كلام الوزير باعتباره تلميحًا إلى أن الصراع بين السلطة والتيارات المختلفة داخل اليمين لم ينتهِ، وأن التاريخ الذي يفترض أن يكون موضوعًا للاحتفاء يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة في الصراع السياسي الراهن.

خلاف شخصي أم إعادة رسم للتحالفات؟

المشهد لا ينفصل عن الحسابات السياسية التي تسبق الانتخابات المقبلة.

فنتنياهو وبن غفير ينتميان إلى المعسكر اليميني نفسه، لكنهما يتنافسان في الوقت ذاته على شرائح متداخلة من جمهور اليمين. وبينما يسعى بن غفير إلى تثبيت موقعه بوصفه أحد أبرز الأصوات اليمينية المتشددة، يحاول نتنياهو الحفاظ على تحالفه اليميني، مع إبقاء خياراته السياسية مفتوحة أمام قوى أخرى.

ولهذا، فإن الابتعاد عن بن غفير في مناسبة تحمل كل هذه الرمزية التاريخية لا يمكن تجاهله سياسيًا، حتى لو لم يكن دليلًا حاسمًا على حدوث قطيعة بين الرجلين.

وفي أوساط بن غفير، فُسّر السلوك باعتباره رسالة سياسية، وسط تقديرات بأن نتنياهو يدرس إمكان إعادة ترتيب خريطة تحالفاته استعدادًا للمرحلة الانتخابية المقبلة، بما في ذلك توسيع هامش المناورة باتجاه قوى وشخصيات أخرى في الوسط واليمين، ومن بينها غادي أيزنكوت.

ومع ذلك، فإن قراءة المشهد باعتباره بداية انفصال نهائي بين نتنياهو وبن غفير ستكون سابقة لأوانها. فالخلاف بين الرجلين لم يمنعهما، في مراحل سابقة، من التعاون عندما اقتضت الحسابات السياسية ذلك، كما أن مصالحهما المشتركة داخل المعسكر اليميني لا تزال كبيرة.

حين يتحول التاريخ إلى مرآة للحاضر

تكمن المفارقة الأساسية في أن «ألتالينا» عادت إلى الواجهة في مناسبة كان يفترض أن تذكّر الإسرائيليين بخطورة الانقسام الداخلي، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى مسرح يعكس انقسامًا سياسيًا معاصرًا.

نتنياهو استعاد درس الوحدة، محذرًا من تكرار «حرب الإخوة». وبن غفير استحضر بيغن، الرجل الذي ارتبط اسمه بالسفينة وبالصراع التاريخي مع بن غوريون.

بين الرسالتين، يظهر صراع أعمق من مجرد خلاف بروتوكولي: صراع على تفسير الماضي، وعلى من يحق له احتكار رموزه، وعلى هوية اليمين الإسرائيلي ومستقبله.

فـ«ألتالينا» ليست مجرد حطام سفينة في قاع البحر. إنها جزء من الذاكرة المؤسسة لدولة ما زالت تحمل آثار الصراع الذي رافق ولادتها. وعندما تعود هذه الذاكرة إلى الواجهة في لحظة انتخابية، يصبح من الصعب فصل التاريخ عن السياسة.

من قاع البحر إلى صندوق الاقتراع

بعد قرابة ثمانية عقود، خرجت «ألتالينا» من قاع البحر لتفتح، مرة أخرى، أسئلة لم تُغلق بالكامل: كيف ينبغي لإسرائيل أن تتعامل مع صراعاتها الداخلية؟ أين تنتهي الخلافات السياسية ويبدأ خطر الانقسام؟ ومن يملك حق تمثيل إرث اليمين التاريخي؟

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لا يتعلق بالسفينة وحدها، بل بما تعكسه عودتها إلى المشهد السياسي.

هل كان التباعد بين نتنياهو وبن غفير مجرد ترتيب بروتوكولي فرضته المناسبة؟ أم أنه يعكس بالفعل اتساع الفجوة بين الرجلين، في مرحلة تستعد فيها الأحزاب الإسرائيلية لإعادة بناء تحالفاتها استعدادًا للانتخابات؟

في السياسة الإسرائيلية، نادرًا ما تكون الرموز التاريخية محايدة. و«ألتالينا» تحديدًا ليست مجرد ذكرى من عام 1948؛ إنها ذاكرة صراع على السلطة والشرعية داخل اليمين، ولذلك فإن ظهورها من جديد قد يكون أكثر من حدث أثري.

فالسفينة عادت من قاع البحر، لكن السؤال الذي حملته معها بقي فوق سطح السياسة: هل تستطيع إسرائيل أن تتعلم من «ألتالينا» درس الوحدة الذي تحدث عنه نتنياهو، أم أن السفينة القديمة ستتحول مرة أخرى إلى رمز لصراع جديد داخل المعسكر نفسه؟

للمزيد : أرشيف القسم
 
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.