xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
حماس توافق على وثيقة النقاط ال 15 وتطالب بإلزام إسرائيل بها استطلاع: تعادل نتنياهو وآيزنكوت وتراجع قوة كتلة اليمين الولايات المتحدة تتحدث رسمياً مع قادة حماس في القاهرة àلّني لهّâ îِèَّ ىîôىâْ î÷هي ىëهىًه هéْîهمم لّùéîْن ىëًٌْ أبراهام بورغ ينضم لحزب "لكلنا مكان" وسيترشح في قائمتها للكنيست الموجز

«أترى هذا البيت؟ الطابق الثاني لك».

«أترى هذا البيت؟ الطابق الثاني لك».

بقلم : ناظم نصار / أستراليا

 

الطابق الثاني لك.. "أترى هذا البيت؟ الطابق الثاني لك". جملة تستدعي التوقف قليلاً للتفكر في معناها. يروي يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق والجنرال الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، قصة تعود إلى ما بعد حرب عام 1948. كان والده يسير في يافا برفقة قائده العسكري، باحثاً عن مكان تسكن فيه عائلته. فأشار القائد إلى أحد البيوت، وخصّص له الطابق الثاني. كانت هناك فقط تفصيلة واحدة غير مريحة: شقيقان فلسطينيان مسلمان كانا لا يزالان يعيشان هناك. كانت بقية عائلتهما قد غادرت، أما هما فبقيا. ويروي غالانت أن العائلتين انتهيتا إلى تقاسم الشقة والمطبخ وحتى المرحاض. وكان أحد الرجلين الفلسطينيين يُجلس غالانت الصغير على ركبته ويعطيه الحلوى. هناك، في شقة واحدة في يافا، تكاد تختصر مأساة الإنسانية الحديثة بأكملها. ضابط عسكري يشير إلى بيت يسكنه آخرون ويقول: "لك". يبدو أن إقرار من يسكن وأين يسكن، يمكن أن يٌنَفَّذ بسرعة مذهلة. لا حاجة الى نقاش مع المعنيين. مجرد إصبع، وبزة عسكرية، وما يكفي من القوة. لقد قال الاستعمار كلمته. ومع ذلك، حدث في الطابق العلوي شيء "غير مريح": تمكّن البشر من العيش معاً. تقاسموا مطبخاً. ثم أنفق التاريخ لاحقاً كميات هائلة من الدم والمال واللاهوت والدبلوماسية والذخيرة لشرح السبب الذي يجعل شعبين استطاعا تقاسم مطبخ عاجزين، على نحو ما، العيش على ارض واحدة. حملت عائلة غالانت جرحاً جاءت به الى فلسطين. كانت والدته، فروما، ناجية بولندية من الهولوكوست، وحاولت الوصول إلى فلسطين على متن سفينة إكسودس. لم يكن اليهود الفارون من أوروبا يتوهمون خوفهم. فقد أثبتت أوروبا، بكفاءة، إلى أي حد يمكن أن تصل معاداة الآخر. لكن الفلسطينيين لم يصنعوا أوشفيتز. وهنا تكمن واحدة من أقسى أنظمة المحاسبة في التاريخ: أوروبا صنعت الكارثة، واللاجئون اليهود كانوا في حاجة يائسة إلى ملاذ ثم انتهى الأمر بدفع الفلسطينيين أكبر قسطاً من الفاتورة. العيش في أستراليا جعلني أنظر إلى ذلك البيت بطريقة مختلفة. من السكان الأصليين في أستراليا تعرّفت إلى مفهوم أل "كنتري" أو "الأرض". الأرض لا باعتبارها مجرد ملكية، بل بوصفها نسيجاً واحداً من الأرض، المياه، القانون، الأسلاف، العائلة، الهوية، الثقافة، الروح والمسؤولية. وهذا لا يجعل الاقتلاع من الأرض أقل خطورة. بل العكس تماماً. فإذا كانت الهوية و"الارض" لا تنفصلان، فإن أخذ الأرض قد يعني قطع الروابط بين الإنسان وأسلافه، ذاكرته ومكانه. لكنه يقترح أيضاً تحوّلاً ثورياً في اللغة: "هذه الأرض تنتمي لي." مقابل: "أنا أنتمي إلى هذه الأرض." الجملتان تبدوان متشابهتين. أما سياسياً، فقد تفصل بينهما عوالم كاملة. الأولى تستطيع بسهولة أن تُنتج "دخيلاً" لأنها تعني الملكية الحصريّة أما الثانية فتترك الباب مفتوحاً أمام احتمال أن ينتمي إلى المكان نفسه أكثر من شعب. فلسطين نفسها عرفت هذا طوال قرون، حين عاش المسلمون والمسيحيون واليهود من الشعب الفلسطيني الأصلاني جنباً إلى جنب مع من وفد الى فلسطين من شعوب أخرى؛ في معظم الأحيان بسلام، وأحياناً بتوتر، داخل عالم اجتماعي واحد. أما الحضارة الحديثة، فمن الطبيعي أنها "ارتقت" كثيراً فوق هذا الغموض البدائي. فاخترعنا الخرائط العقارية، سندات الملكية، الحدود، جوازات السفر، الأعلام، الاستحقاقات الدينية والوثائق التاريخية التي تشرح لنا كيف أن أجزاء معينة من هذا الكوكب تنتمي إلينا، على ما يبدو، إلى الأبد. وإذا لم تُقنع هذه الوثائق الجار، فالصواريخ الموجّهة كفيلة بتوضيح الحجة. وقد طورت بعض مجتمعات السكان الأصليين في أستراليا آليات عرفية تنظّم الثأر، تجيب عن المظالم وتتيح في النهاية إنهاء النزاع. لم تكن مجتمعات مثالية خالية من العنف، لكن العنف نفسه كان يمكن أن يخضع لقواعد وحدود. لكننا نلهج باستعلاء: "يا لها من بدائية مروّعة". فلدينا الأمم المتحدة، القانون الدولي، الجامعات، الاستخبارات الفضائية، الذكاء الاصطناعي وقد طورنا نظاماً أكثر "تقدماً بكثير"، يستطيع فيه قتل طفلٌ أن يوفّر التبريرات الأخلاقية اللازمة لقتل طفل آخر. لنعود إلى الفلسطينيين والصهيونيين. الأرض ليست سوى نصف المشكلة. أما النصف الآخر فهو الموتى. بالنسبة إلى الفلسطيني، قد يهمس التنازل في أذنه: انسَ البيت. انسَ القرية. انسَ القبر. وخُنْ الجد. بالنسبة إلى الإسرائيلي، قد توقظ مطالبته بعدم الأفراط باستعمال القوة همساً من نوع آخر يرجع بهم الى تاريخهم كمجموعة ضعيفة ملاحقة في أوروبا: لا تكن ضعيفاً. كن صاحب اليد العليا. هكذا يكتسب الموتى مسارات سياسية مدهشة. لا يستطيعون التصويت، ومع ذلك يحتفظون، بطريقة ما، بحق النقض. ويصبح الانتقام ميراثاً: رهنٌ عقاري أخذه الموتى، ويسدده بالدم أطفال لم يوقّعوا العقد أصلاً. ولا يعني شيء من هذا، التخلي عن العدالة. هنالك ضرورة بالاعتراف بالغبن التاريخي الذي لحق بالفلسطينيين. الحقوق مهمة. ردّ المظالم مهم. الأمن مهم والذاكرة مهمة. لكن العدالة لا يمكن أن تعني ببساطة تبديل اسم الشخص الذي يحمل مفتاح البيت. ربما كان أكثر ما يثير الدهشة في قصة غالانت في النهاية، ليس من أصبح يملك الشقة. بل المطبخ. لسنوات، عاش الفلسطينيون ويهود في ذلك الحّيز الحميم نفسه، تقاسموا المرافق، ونشأت بينهم صداقة، وحمل رجل فلسطيني طفلاً يهودياً على ركبته وأعطاه الحلوى، لم يتوقع أن يصبح هذا الطفل يومَا ترسًا مركزيًّا في الآلة العسكرية. نجح المطبخ حيث لم يكن لمبنى القوّة وجود. في المطبخ الجميع يضع مئزرا بعد أن تسقط البزة العسكرية. وربما أدرك أولئك الناس شيئاً لا تزال الدول عاجزة عن فهمه: الأرض، في النهاية، موطن كل سكانها، حين يتشاركون معا الحيّز على قدم المساواة - فلا مٌستعمِر ولا مُستعمَر ولا تفرقة بين البشر. لم يُصدر لأيٍّ منا سند ملكية أبدياً، ولا يمكن لأحد سلب حقك في أرضك حتى ولا "بفرمان وعد إلهيّ".

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.