| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
|
في ذكرى رحيل شاعر فلسطين: من البروة إلى المنفى، ومن «سجل أنا عربي» إلى «الجدارية»… كيف تحوّل محمود درويش من شاعر القضية إلى شاهد على مأزق العلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي، ولماذا تبدو أسئلته اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى؟ في التاسع من آب/أغسطس 2008، غاب محمود درويش جسدًا، لكن القصيدة التي حملت فلسطين إلى العالم لم تصمت. ثمانية عشر عامًا على رحيله، وما زال اسمه حاضرًا كلما عادت فلسطين إلى واجهة التاريخ، وكلما عاد السؤال القديم نفسه: ماذا يعني أن يكون للإنسان وطن، ثم يصبح الوطن قضية؟ وماذا يعني أن تتحول الهوية من مصدر للانتماء إلى مصدر للصراع؟ ولد درويش عام 1941 في قرية البروة قرب عكا، وعاش في طفولته تجربة الاقتلاع عام 1948، حين خرجت عائلته إلى لبنان قبل أن تعود إلى الجليل. وعندما عاد، كانت البروة قد دُمّرت. بقي المكان غائبًا عن الجغرافيا، لكنه لم يغب عن ذاكرته. ربما من هنا بدأ درويش. من قرية لم تعد موجودة كما عرفها، ومن وطن بقي موجودًا في الذاكرة. لم تكن تجربة الاقتلاع بالنسبة إليه حدثًا تاريخيًا يرويه لاحقًا، بل تجربة شخصية شكّلت علاقته باللغة والمكان والهوية. ولهذا لم تكن فلسطين في شعره مجرد حدود أو خريطة؛ كانت بيتًا وذاكرة وطفولة وأمًا. وهنا تكفي الإشارة إلى «أحن إلى خبز أمي» دون الغوص في القصيدة ذاتها. فصورة الأم عند درويش تفتح بابًا أوسع لمعنى الوطن: الأم هي المكان الأول، والذاكرة الأولى، والأمان الأول. وفي القراءة الرمزية لتجربته، يمكن أن تصبح فلسطين أمًّا؛ وطنًا لا يحتاج الإنسان إلى تبرير حبه له، كما لا يحتاج إلى تبرير حنينه إلى أمه. الوطن، في هذه الحالة، ليس فكرة سياسية جاءت لاحقًا. إنه شيء سابق على السياسة. وهذا تحديدًا ما جعل تجربة درويش سياسية منذ بدايتها، حتى عندما كانت قصيدته شعرًا. من «أنا عربي» إلى معركة الوجود في ستينيات القرن الماضي، لم يكن الفلسطيني داخل إسرائيل يعيش فقط سؤال الانتماء، بل سؤال المكان والمواطنة والهوية والذاكرة. كان الحكم العسكري على المواطنين العرب مستمرًا حتى عام 1966، وكان درويش نفسه يعيش تحت القيود والاعتقال والإقامة الجبرية بسبب نشاطه السياسي وشعره. في ذلك السياق ظهرت «بطاقة هوية» وعبارتها الشهيرة «سجل أنا عربي». لم تكن المسألة مجرد إعلان قومي. كانت إعلان وجود. أن تقول «أنا عربي» في ذلك الزمن كان يعني أن تقول: أنا لست رقمًا، ولست أثرًا من آثار حرب انتهت، ولست شخصًا بلا ذاكرة. أنا هنا، ولي اسم وبيت وتاريخ. وهذه واحدة من أهم وظائف شعر درويش: أنه أعاد الفلسطيني من خانة «القضية» إلى خانة «الإنسان». له أم، وله بيت، وله حب، وله خوف، وله حلم. وهذا هو الوجه السياسي العميق لشعره. فالقضية الفلسطينية بالنسبة لدرويش لم تكن فقط قضية حدود، بل قضية إنسان يريد أن يثبت حقه في أن يكون موجودًا داخل رواية التاريخ، لا خارجها. الشاعر الذي رفض أن يبقى أسير صورته لكن محمود درويش لم يبقَ طوال حياته شاعر «المقاومة» بالمعنى الذي اختصره فيه البعض. تطور شعره كما تطورت تجربته السياسية والإنسانية. انتقل من القصيدة المباشرة إلى أسئلة أكثر تعقيدًا عن المنفى والوطن والموت والحب والهوية. ومن «عاشق من فلسطين» و«أوراق الزيتون» إلى «أحد عشر كوكبًا» و«الجدارية» و«في حضرة الغياب»، أصبح الوطن عنده أكثر من مكان، والمنفى أكثر من غياب جغرافي. كان يكتب عن فلسطين، لكنه كان في الوقت نفسه يكتب عن الإنسان الذي تصنعه فلسطين والمنفى والحرب. وهنا تكمن قوة درويش السياسية: أنه لم يسمح للقضية بأن تلغي الإنسان، ولم يسمح للهوية بأن تتحول إلى كراهية. كان فلسطينيًا بلا اعتذار، لكنه لم يحتج إلى تحويل الآخر إلى كائن بلا وجه. وهذا بالذات ما يجعل استعادته اليوم مهمة. ريتا… حين يدخل الصراع إلى الحياة الخاصة في هذا السياق تظهر ريتا. لا تكمن أهمية قصة محمود درويش وريتا في تفاصيلها العاطفية بقدر ما تكمن في رمزيتها. كانت ريتا يهودية إسرائيلية أحبها درويش في شبابه، وتحولت العلاقة لاحقًا إلى مادة شعرية، خصوصًا في «ريتا والبندقية». ما يهم هنا ليس السؤال عن تفاصيل العلاقة بقدر ما يهم السؤال الذي تختصره: ماذا يحدث عندما يقع الإنسان في حب شخص، بينما السياسة تطلب منه أن يراه أولًا من خلال هويته؟ درويش كان فلسطينيًا. ريتا كانت يهودية إسرائيلية. بينهما مساحة إنسانية استطاع الحب أن يصل إليها، لكن بينهما أيضًا تاريخ وصراع وهوية وبندقية. وهكذا تحولت ريتا، في المخيال المرتبط بشعر درويش، من قصة حب إلى صورة مكثفة عن مأزق أكبر: الإنسان يستطيع أن يتجاوز الحدود، لكن السياسة قد تعيد بناءها داخل القلب نفسه. وهذا ما يجعل قصة ريتا ذات صلة بما نعيشه اليوم. فالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يعد مجرد خلاف سياسي يمكن حصره في طاولة مفاوضات. لقد أصبح جزءًا من الوعي والذاكرة والخوف والهوية. من درويش إلى ما بعد السابع من أكتوبر تغيرت المنطقة كثيرًا منذ رحيل درويش. وقعت اتفاقيات، واندلعت انتفاضات، تغيرت حكومات، توسعت المستوطنات، وتبدلت موازين القوة. ثم جاء السابع من أكتوبر وما تبعه من حرب واسعة، لتصبح المسافة بين الفلسطيني والإسرائيلي أكثر قسوة وعمقًا. في إسرائيل تعمقت مشاعر الخوف وانعدام الأمن. وفي المجتمع الفلسطيني تعمقت مشاعر الغضب والفقدان والدمار والاقتلاع. وفي الحالتين، ازدادت قدرة الصراع على ابتلاع الإنسان. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الحرب: لم يعد كل طرف يكتفي برؤية نفسه ضحية، بل أصبح يرى الاعتراف بألم الطرف الآخر وكأنه تنازل عن ألمه هو. وهكذا يتحول الاعتراف إلى تهمة، والتعاطف إلى خيانة، والآخر إلى تهديد. لكن الاعتراف بالإنسان لا يعني تبرئة السياسة. الاعتراف بخوف الإسرائيلي لا يلغي حق الفلسطيني في الحرية. والاعتراف بمأساة الفلسطيني لا يلغي حق الإسرائيلي في الأمن. المشكلة تبدأ عندما يتحول أمن أحدهما إلى ذريعة دائمة لإنكار حرية الآخر، أو عندما يصبح الاعتراف بحق طرف ما تهديدًا لوجود الطرف الآخر. وهنا تفشل السياسة. المأزق الحقيقي: ذاكرة مقابل ذاكرة ربما لم يعد الصراع اليوم صراعًا على الأرض وحدها. إنه صراع على الذاكرة. كل طرف يحمل روايته الخاصة عن الماضي، ويخشى أن يؤدي الاعتراف برواية الآخر إلى إلغاء روايته هو. الفلسطيني يحمل ذاكرة النكبة والاقتلاع والاحتلال واللجوء. والإسرائيلي يحمل ذاكرة الاضطهاد والخوف والتهديد والحاجة إلى الأمن. المشكلة ليست في وجود ذاكرتين. المشكلة في الاعتقاد بأن وجود إحداهما يتطلب محو الأخرى. وهنا يمكن استعادة درويش بوصفه شاعرًا عاش داخل هذا التناقض، لكنه لم يقبل أن يكون أسيرًا له. كان يعرف أن الذاكرة حق، لكنه كان يعرف أيضًا أن تحويل الذاكرة إلى أداة دائمة لنفي الآخر يعني إنتاج صراع لا نهاية له. درويش وأوسلو… الشاعر الذي لم يثق بالحلول الناقصة حتى عندما وصلت القضية الفلسطينية إلى لحظة سياسية مفصلية مع اتفاق أوسلو عام 1993، لم يكن درويش مطمئنًا. استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية احتجاجًا على الاتفاق، في موقف عكس قلقه من تسوية لا تعالج، في نظره، الأسئلة الأساسية المتعلقة بالحرية والسيادة والمصير. وهذه المحطة تكشف جانبًا مهمًا من شخصيته السياسية. لم يكن درويش شاعرًا يصفق لأي اتفاق يحمل كلمة «سلام». كان يعرف أن السلام ليس مجرد توقيع. وأن الاعتراف السياسي لا يكفي إذا بقيت جذور الصراع قائمة. وأن غياب العدالة يمكن أن يجعل التسوية مجرد هدنة مؤقتة بين جرحين. حتى الشعر أصبح ساحة للصراع لم تتوقف معركة درويش عند السياسة. وصل الصراع إلى الأدب والذاكرة والتعليم أيضًا. ففي عام 2000 أثار اقتراح إدراج بعض أعماله في المناهج الإسرائيلية جدلًا سياسيًا واسعًا، ورفضت قوى يمينية إسرائيلية الفكرة باعتبار شعره جزءًا من الرواية الفلسطينية. لكن المفارقة أن درويش تجاوز هذه الحدود. قرأ شعره أمام جمهور إسرائيلي، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة، وأصبح حضوره أكبر من قدرة السياسة على احتوائه. لقد فعل بالشعر ما عجزت السياسة عن فعله: فتح مساحة يمكن فيها للفلسطيني أن يتحدث، وللآخر أن يسمع. ليس بالضرورة أن يقتنع. لكن أن يسمع. وهذا، في زمن الصراع، ليس قليلًا. الأم وريتا… صورتان تختصران المأزق إذا أردنا اختصار جانب من تجربة درويش في صورتين، يمكن أن نقول: الأم وريتا. الأم هي الجذر. هي فلسطين. هي المكان الذي يقول للإنسان: هنا بدأت. أما ريتا فهي الآخر الذي يمكن أن يصبح قريبًا إلى درجة تجعل الهوية السياسية عائقًا أمام العلاقة الإنسانية. بين الأم وريتا يقع جزء أساسي من المأزق الفلسطيني–الإسرائيلي. فالفلسطيني لا يريد أن يفقد وطنه أو ذاكرته. والإسرائيلي لا يريد أن يفقد أمنه أو وجوده. لكن المأساة تبدأ عندما تُبنى هوية أحدهما على نفي الآخر. وهنا لا تعود القضية مجرد حدود. تصبح سؤالًا عن قدرة شعبين على العيش في المكان نفسه دون أن يصبح وجود أحدهما حكمًا بالموت السياسي أو الوجودي على الآخر. لماذا نحتاج درويش اليوم؟ لأننا نعيش لحظة يزداد فيها كل طرف انغلاقًا داخل روايته. ولأن الخطاب السياسي السائد يميل إلى الاختزال: إما أن تكون مع الفلسطيني أو مع الإسرائيلي، إما أن ترى الخوف أو ترى الظلم، إما أن تتحدث عن الأمن أو عن الحرية. لكن درويش كان أكثر تعقيدًا. كان يستطيع أن يكون فلسطينيًا إلى أقصى درجات الانتماء، وأن يظل قادرًا على رؤية الإنسان في الآخر. كان يستطيع أن يرفض الاحتلال دون أن يحتاج إلى إنكار وجود الآخر. وكان يستطيع أن يحب امرأة يهودية دون أن يرى في ذلك خيانة لفلسطين. وكان يستطيع أن يعارض القيادة الفلسطينية دون أن يتخلى عن القضية. هذه القدرة على حمل التناقضات دون تحويلها إلى كراهية هي ما نفتقده اليوم. درويش لم يترك سؤالًا… بل كشف أصل المأزق ثمانية عشر عامًا على رحيل محمود درويش، وما زالت فلسطين وإسرائيل تدوران في الدائرة نفسها: ذاكرة تصطدم بذاكرة، وخوف يتغذى على خوف، وسياسة عاجزة عن تحويل الاعتراف المتبادل إلى واقع قابل للحياة. لكن إرث درويش لا يكمن فقط في الأسئلة التي طرحها، بل في الحقيقة التي كشفها: أن الصراع لم يعد مجرد خلاف على الأرض أو الحدود أو الاتفاقات، بل أصبح صراعًا على الذاكرة والهوية، وعلى قدرة كل طرف على رؤية الآخر إنسانًا دون أن يشعر أن الاعتراف به يهدد وجوده. من هنا تصبح «الأم» في تجربته أبعد من صورة شخصية؛ إنها الوطن الذي لا يستطيع الإنسان اقتلاعه من ذاكرته. وتصبح «ريتا» أبعد من قصة حب؛ إنها صورة لإنسانية اصطدمت بالهوية والسياسة والبندقية. لم يقدّم درويش حلًا جاهزًا، لكنه رفض أن يكون الحل على حساب إنسانية أحد. ولهذا يبقى حاضرًا، لا بوصفه شاعرًا من الماضي، بل شاهدًا على سؤال ما زال مفتوحًا: هل يمكن أن يحافظ الفلسطيني على حقه وذاكرته وحريته، ويستطيع الإسرائيلي في الوقت نفسه أن يعيش بأمان، دون أن يتحول أمن أحدهما إلى إنكار لحق الآخر؟ هذه هي العقدة التي لم تحلها السياسة، ولم يستطع الزمن تجاوزها. وربما تكون المأساة الأكبر أن الطرفين، بعد كل ما مرّا به، ما زالا يعرفان بعضهما من خلال الخوف أكثر مما يعرفان بعضهما من خلال الإنسان. لذلك فإن استعادة درويش في ذكرى رحيله ليست مناسبة لرثاء شاعر، بل لمراجعة مأزق سياسي ما زال مفتوحًا. فإما أن يُعاد تعريف الإنسان قبل أن يُعرَّف بالهوية والصراع، أو سيبقى الصراع هو التعريف الوحيد للإنسان. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|