| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
|
شهد المجتمع الفلسطيني في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة نقاشًا عميقًا حول النهج السياسي الذي يتبناه منصور عباس. وهذا النقاش لا يدور حول شخصه فحسب، بل يتناول سؤالًا مبدئيًا: كيف ينبغي لأقلية قومية أن تدير نضالها داخل دولة تمتلك فيها الأغلبية القوة السياسية والدستورية؟ هل يتحقق السعي إلى المساواة من خلال الاندماج في النظام القائم، حتى وإن استلزم ذلك تقديم تنازلات فكرية وسياسية، أم من خلال نضال متواصل يهدف إلى تغيير أسس هذا النظام؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يجدر بنا أن نتأمل واحدة من أهم تجارب التحرر في القرن العشرين، وهي نضال السود في جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري. كثيرًا ما تُعرض تجربة جنوب أفريقيا وكأن نجاحها تحقق لأن قيادة السود كانت مستعدة لتقديم التنازلات. غير أن هذه الصورة لا تعكس الحقيقة كاملة. فقد دخل قادة النضال في مفاوضات مع السلطة البيضاء، وقبلوا بالمصالحة الوطنية، ورفضوا سياسة الانتقام، وأكدوا أن للأقلية البيضاء مكانًا في الدولة الجديدة. لكنهم لم يقبلوا يومًا بالإبقاء على المبدأ الذي قام عليه نظام الفصل العنصري، وهو منح التفوق السياسي والدستوري والقومي لجماعة على حساب أخرى. لقد كانت التسوية في الوسائل، لا في الأهداف. لم يسع السود إلى الاندماج في نظام التفوق الأبيض، بل سعوا إلى إنهائه وإقامة نظام دستوري جديد يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين. كما أن البيض الذين انضموا إلى هذا المسار لم يطلبوا من السود الاعتراف بتفوقهم شرطًا للحوار، بل قبلوا بأن تحقيق السلام والاستقرار يقتضي تغيير قواعد اللعبة نفسها. ومن هنا يبدأ النقاش الإسرائيلي. يقوم نهج منصور عباس على رؤية براغماتية تعتبر أن التأثير الحقيقي يتحقق من داخل مؤسسات الحكم، عبر المشاركة في الائتلافات الحكومية، وبناء شراكات مع الأحزاب الصهيونية، وتحقيق إنجازات عملية في مجالات الميزانيات والبنية التحتية والإسكان ومكافحة الجريمة. ولا شك أن هذا النهج أحدث تحولًا في الخطاب السياسي وأسهم في تحقيق إنجازات مدنية مهمة. غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل تحققت ميزانيات أم لا؟ بل: ما هو الثمن الفكري والسياسي الذي دُفع مقابل ذلك؟ عندما يصرح زعيم عربي بأن "دولة إسرائيل وُلدت دولة يهودية وستبقى كذلك"، يرى البعض في هذا التصريح اعترافًا بالواقع السياسي والدستوري القائم، بينما يتساءل آخرون: هل هو مجرد وصف للواقع، أم أنه تنازل مسبق عن إمكانية النضال الديمقراطي من أجل تغيير بعض الأسس الدستورية بما يضمن مساواة كاملة لجميع المواطنين؟ ويبرز السؤال ذاته فيما يتعلق بالشرعية السياسية. . ففي أي نظام ديمقراطي، يفترض أن تستند شرعية ممثل الجمهور إلى إرادة الناخبين وإلى المواطنة المتساوية. أما إذا كانت المشاركة في الائتلافات الحكومية مشروطة عمليًا بتبني مواقف أو تصريحات يفرضها معسكر الأغلبية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هذه شرعية نابعة من حق المواطنة، أم شرعية مشروطة بقبول شروط الأغلبية؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الأقلية لا تصبح شريكًا سياسيًا بحكم مواطنتها، بل شريكًا بشروط. وتصبح قواعد اللعبة مرسومة مسبقًا من قبل الأغلبية، فيما يُطلب من الأقلية أن تثبت في كل جولة سياسية أنها تستحق هذا القبول. كما أن الجدل حول الخدمة المدنية أو الوطنية في المجتمع العربي يعكس هذه الإشكالية. فهناك من يراها وسيلة للاندماج المدني، بينما يرى آخرون أنها تعكس تحولًا في طبيعة النضال، من نضال أقلية قومية تطالب بالاعتراف والمساواة الجماعية، إلى نضال يركز أساسًا على تحسين الظروف المعيشية ضمن الإطار القائم. وهنا يتضح الفارق بين البراغماتية والتكيف. فالبراغماتية تعني اختيار الوسائل الأكثر فاعلية لتحقيق هدف ثابت لا يتغير. أما التكيف، فهو قبول حدود الخطاب والواقع كما تحددها الأغلبية، إلى أن تتوقف الأقلية عن مساءلتها، وتكتفي بالتحرك داخلها. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال ليس ما إذا كانت المشاركة في الائتلافات صحيحة أم خاطئة، بل: هل هي وسيلة لتقريب المجتمع من مساواة أعمق، أم أنها قد تتحول إلى آلية تكرّس موازين القوى القائمة؟ إن الدرس الأهم من تجربة جنوب أفريقيا ليس أن التسوية تعني الضعف، بل العكس تمامًا. فقد كانت التسوية تعبيرًا عن قوة سياسية، لكنها كانت ممكنة فقط لأن جميع الأطراف أدركت أن النظام القديم يجب أن يتغير. وهنا يبرز السؤال الكبير أمام الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل: هل تهدف المشاركة في النظام السياسي إلى تغيير قواعد اللعبة، أم إلى الاندماج فيها كما هي؟ ولا يعني ذلك رفض التعاون مع الأغلبية اليهودية أو معارضة كل تسوية سياسية، لكن التعاون لا ينبغي أن يكون مرادفًا للتخلي عن المطالبة بالمساواة المدنية والقومية الكاملة. فالبراغماتية لا تعني التخلي عن الرؤية. لقد علمتنا التجارب التاريخية أن الأقليات لا تغيّر مكانتها عندما تكتفي بقبول قواعد اللعبة التي وُضعت لها، وإنما عندما تنجح في إقناع الأغلبية أيضًا بضرورة بناء نظام جديد يقوم على المساواة الحقيقية. ليس السؤال إذًا: هل ينبغي أن نكون براغماتيين؟ بل: ما الغاية من هذه البراغماتية؟ فإذا كانت وسيلة للاقتراب من واقع يقوم على المساواة الكاملة، فقد تكون أداة مهمة. أما إذا تحولت إلى قبول دائم لواقع تصبح فيه شرعية الأقلية مرهونة بموافقة الأغلبية، ويُطلب من ممثليها في كل مرحلة تقديم تنازلات جديدة لإثبات أهليتهم السياسية، فإن البراغماتية قد تتحول تدريجيًا إلى تكيف مع واقع غير متكافئ. وربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل على أنفسهم: هل نطمح فقط إلى مقعد حول طاولة صنع القرار، أم نسعى إلى إعادة تشكيل الطاولة نفسها بحيث يجلس جميع من حولها على قدم المساواة في المكانة والحقوق والشرعية؟ بين الإجابات المختلفة عن هذا السؤال يتحدد مستقبل النضال السياسي للفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|