xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
نهاية وشاحي : ما زال حضور المرأة أقل مما نطمح إليه، لكن ذلك موجود في كل مجتمعات العالمموسي راز للكرمل: معسكر اليسار يواجه اليوم تحديات كبيرة، ونحن بحاجة إلى إعادة بنائه وتعزيز حضورهالتجمع يحسم قائمته البرلمانيةالجيش الأمريكي يضرب اهدافاً في إيران رداً على ضربها لسفينة في مضيق هرمزتوقيع الاتفاق بين دولة إسرائيل والدولة اللبنانية الموجز

حين يصبح القيد قناعة: سيغلوفيتش و«الموحدة» وخطر العبودية الفكرية

حين يصبح القيد قناعة: سيغلوفيتش و«الموحدة» وخطر العبودية الفكرية

بقلم : د. فالح سمارة - الطيره

 

 ليست أخطر أنواع العبودية تلك التي تقيد اليدين، بل تلك التي تستولي على العقل. فالإنسان المقيد جسديا يعرف سجانه، ويرى قيوده، ويحلم باليوم الذي يتحرر فيه منها. أما المستعبد فكريا، فلا يرى القيد قيدا، ولا السجن سجنا، بل قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى مدافع عن سجانه، ومبرر لظلمه، وحارس يقظ على الأسوار التي أقيمت داخل وعيه. عندما تنجح منظومة ما في السيطرة على العقول، فإنها لا تعود بحاجة إلى سجان يقف عند كل باب، ولا إلى عصا ترفع فوق كل رأس. يكفيها أن تزرع فكرة تجعل الظلم قدرا، والخضوع واقعية، والتنازل حكمة، وأن تقنع المظلوم بأن خلاصه لا يكون بالتحرر من القيد، بل بالتكيف معه والبحث عن مكان أكثر راحة داخله. وهنا تكمن خطورة ما تحاول «الموحدة» تسويقه من خلال ضم يوآف سيغلوفيتش إلى قائمتها. قد يكون سيغلوفيتش رجلا مهنيا في مجاله، وقد يكون أكثر اعتدالا من بن غفير وسموتريتش، وربما تعامل مع ملف الجريمة في مجتمعنا بجدية أكبر من مسؤولين إسرائيليين آخرين. ولكن كل ذلك لا يحوله إلى ممثل لشعبنا، ولا إلى حامل لقضيتنا، ولا إلى شريك في مشروعنا الوطني. سيغلوفيتش صهيوني وسطي ينظر إلى الصراع من زاوية المصلحة الإسرائيلية والأمن الإسرائيلي. وهو يؤيد إسرائيل بوصفها دولة يهودية، ولا يتبنى حق العودة، ولا يحمل روايتنا الوطنية عن النكبة والاحتلال والاستيطان. كما أنه ليس من الشخصيات المعروفة بنضالها ضد الاحتلال أو الاستيطان، ولا بالدفاع عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، ولا بالمطالبة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين. إنه جزء من التيار الصهيوني الوسطي الذي يختلف مع اليمين حول الأسلوب والوسيلة وحدود القوة، لكنه لا يختلف معه حول تعريف الدولة وهويتها ومركزية المصلحة الإسرائيلية. وهنا لا يتعلق السؤال بشخص سيغلوفيتش وحده، بل بالمشروع السياسي الذي يراد تمريره من خلاله. هل المطلوب أن يقترب سيغلوفيتش من حقوق شعبنا وقضيتنا، أم أن نبتعد نحن عن قضيتنا لكي نصبح مقبولين لديه؟ هل سينضم هو إلى حزب عربي يحمل هموم مجتمعه وانتماءه الفلسطيني، أم أن الحزب العربي هو الذي سيعيد صياغة نفسه، ويتنازل عن لغته وذاكرته ومواقفه، لكي يمنح سياسيا صهيونيا مكانا مضمونا في قائمته؟ عندما يوضع سياسي صهيوني في المقعد الثاني لقائمة عربية، فالمسألة ليست مجرد «شراكة عربية–يهودية». الشراكة الحقيقية تقوم بين طرفين متكافئين، يعترف كل منهما بهوية الآخر وحقوقه وروايته. أما أن يطلب من الطرف الفلسطيني أن يتخلى عن روايته، ويخفض سقف حقوقه، ويصمت عن الاحتلال والحرب والاستيطان، لكي يثبت أنه «معتدل» و«صالح للشراكة»، فهذه ليست شراكة؛ إنها إعادة إنتاج لعلاقة السيد والتابع بلغة ناعمة. وهذه هي العبودية الفكرية في صورتها السياسية الأخطر: أن يتحول التنازل إلى فضيلة، والخضوع إلى براعة سياسية، والتكيف مع الظلم إلى واقعية، وأن يصبح من يعترض على ذلك متهما بالتطرف أو بعدم فهم السياسة. الأخطر من ذلك أن يتحول بعض أبناء مجتمعنا إلى شرطة على أفكارهم وأفكار الآخرين. فيصبح العربي خائفا من التعبير عن انتمائه، مترددا في تسمية الاحتلال احتلالا، ويتجنب الحديث عن غزة والقدس واللاجئين، لا لأن سجانا منعه، بل لأن السجان استقر داخل وعيه وأصبح يراقبه من الداخل. عندئذ لا يعود القيد بحاجة إلى حديد؛ فقد تحول إلى قناعة. ولا يعود السجن بحاجة إلى أسوار؛ فقد انتقلت الأسوار إلى العقل. إنني لا أهاجم جمهور «الموحدة»، ولا أشكك في نيات الناس الذين يصوتون لها. في هذا الجمهور أهلنا وأصدقاؤنا وأبناء شعبنا، وبينهم أشخاص صادقون يريدون الأمن والعيش الكريم ومكافحة الجريمة وتحسين أوضاع مجتمعنا. لكن النيات الطيبة لا تعفي القيادة من المساءلة، ولا تحول الخيار السياسي الخاطئ إلى خيار صحيح. من حقنا أن نطالب بالأمن الشخصي والميزانيات والبنية التحتية، لكن هذه حقوق مواطنين وليست هدايا تمنح لنا مقابل التخلي عن هويتنا. لسنا مطالبين بأن ندفع ثمن حقنا في الحياة والأمن من كرامتنا الوطنية، ولا أن نستبدل قضيتنا بمقعد في ائتلاف، ولا أن نتعامل مع مساواتنا كمنحة مشروطة بحسن السلوك السياسي. الشراكة العربية–اليهودية التي نريدها ليست شراكة مع من يطلب منا نسيان فلسطين، بل مع قوى يهودية تعترف بأن المساواة لا تنفصل عن إنهاء الاحتلال، وأن الأمن لا يبنى فوق أنقاض شعب آخر، وأن السلام لا يقوم مع استمرار الاستيطان ورفض الحقوق الوطنية الفلسطينية. لسنا بحاجة إلى سيغلوفيتش لكي يمنحنا الشرعية. نحن أصحاب هذه البلاد، وأصحاب قضية وحقوق وذاكرة. وهو إذا أراد شراكة حقيقية معنا، فعليه أن يقترب من قيم العدالة والمساواة، لا أن ننسلخ نحن عن هويتنا لكي نقترب من مشروعه. وإذا كانت «الموحدة» تريد بناء قائمة عربية–يهودية، فعليها أن تصارح جمهورها أولا: ما برنامج هذه القائمة؟ ما موقفها من الدولة الفلسطينية، والاحتلال والاستيطان، والقدس وغزة وحق شعبنا في تقرير مصيره؟ ومن الذي سيغير مواقفه: سيغلوفيتش، أم «الموحدة»، أم سيطلب من جمهورنا مرة أخرى أن يبتلع التنازل ويسميه إنجازا؟ البديل موجود، وهو أن نعيد بناء وحدتنا نحن: الجبهة، والتجمع، والعربية للتغيير، وكل القوى الوطنية والديمقراطية المستعدة للعمل المشترك. اختلافاتنا حقيقية، لكنها لا تلغي انتماءنا الواحد ولا قضيتنا المشتركة. لماذا نبحث عن شرعيتنا في مقعد يمنحه لنا سياسي صهيوني، بينما نستطيع أن نبني قوتنا بأيدينا، ونستعيد ثقة جمهورنا، ونقيم قائمة تحمي حقوقنا المدنية من دون التفريط بحقوقنا الوطنية؟ إن الخلاف هنا ليس بين من يريد التأثير ومن يرفضه؛ كلنا نريد التأثير. السؤال هو: هل نؤثر ونحن واقفون على أقدامنا، أم بعد أن نتنازل عن أنفسنا؟ هل ندخل السياسة حاملين قضيتنا، أم نتركها عند الباب كي يسمحوا لنا بالدخول؟ علينا أن نتوقف ونعيد التفكير. فالمجتمع الذي يفقد استقلاله الفكري يفقد قدرته على التمييز بين الشراكة والتبعية، وبين الواقعية والاستسلام، وبين الحرية والقيد الذي أعيد طلاؤه بألوان جميلة. الجسد المقيد يحلم بالتحرر، أما العقل المسلوب فقد يدافع عن القيد ويصفه بالخلاص. ولهذا فإن معركتنا اليوم ليست على المقعد الثاني في قائمة «الموحدة» فحسب، بل على المقعد الأول داخل وعينا: من يجلس فيه، نحن وهويتنا وإرادتنا، أم الفكرة التي تريد منا أن نكون تابعين ثم تقنعنا بأن التبعية هي الحرية؟ لن نكون أسرى داخل عقولنا، ولن نستبدل سجانا بسجان أكثر تهذيبا. طريقنا ليس في الذوبان داخل المشروع الصهيوني، بل في الوحدة والكرامة والاستقلال السياسي، وفي شراكة حقيقية لا تطلب منا أن نتوقف عن كوننا فلسطينيين حتى يعترف الآخر بنا. 

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.