| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
|
في الماضي، كانت الأراضي المحتلة تُعتبر أوراقًا للمساومة في المفاوضات مع الدول العربية بعد حرب عام 1967، في إطار محادثات السلام. أما اليوم، فقد انتقلت سياسة المساومة إلى مستوى آخر؛ إذ لم تعد تقتصر على الأراضي، بل أصبحت حتى الجثامين تُحتجز كورقة تفاوض. غير أن الهدف هذه المرة مختلف تمامًا، إذ لا يوجد في هذه الحالة ما يمكن التفاوض أو المساومة عليه. في الطرف الآخر، لا توجد جثامين لإسرائيليين ولا أسرى أحياء، ومع ذلك تواصل هذه الآلة عملها بكامل طاقتها. إنها تستمر في الدوران، لكن الهدف يتغير؛ فبدلًا من أن تكون وسيلة للمساومة، أصبحت أداةً لتعذيب العائلات الثكلى. فالأمر لا يقتصر على ألم الفقدان، بل يمتد إلى حالة من الانتظار القاتل واستنزاف الأعصاب أمام آلة بشرية فقدت الإحساس. ولا تقتصر هذه السياسة على التعامل مع الفلسطينيين خارج إسرائيل، بل تمتد أيضًا إلى داخلها. وهنا أيضًا يوجد الكثير مما يمكن القيام به. ففي الوقت الراهن، ينصبّ الأمر على المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يُفترض أنهم مواطنون متساوو الحقوق، على الأقل وفقًا لما تنص عليه وثيقة إعلان قيام دولة إسرائيل (وثيقة الاستقلال)، لكن عندما يتعلق الأمر بسياسة المساومة، فإنهم أيضًا لا يحظون بأي استثناء أو معاملة خاصة. على سبيل المثال :سامي جعصوص، وهو مواطن عربي من مدينة اللد يحمل الجنسية الإسرائيلية، قُتل برصاص قوات الأمن. وبدلًا من التحقيق في ملابسات هذا الحادث الخطير، والتساؤل إلى أي مدى يسهل الضغط على الزناد عندما يكون الضحية عربيًا، قررت السلطات احتجاز جثمانه، لتضيف معاناة جديدة إلى معاناة عائلته. ومثال آخر هو وليد دقة، الأسير الأمني الذي توفي في المستشفى قبل أكثر من عامين، ولا تزال السلطات حتى اليوم تحتجز جثمانه وترفض تسليمه لدفنه. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يمكن التفاوض أو المساومة عليه في قضية جثمانه؟ لقد أمضى وليد دقة أربعين عامًا في السجن، بعد إدانته في قضية أمنية، وبذلك يكون قد قضى كامل العقوبة التي فرضها عليه القانون، كما يُقال. ومع ذلك، يبدو أن ذلك لا يكفي، إذ تواصل السلطات معاقبة عائلته من خلال احتجاز جثمانه وحرمانها من حق دفنه. وهكذا، يتحول العقاب الفردي في لحظة إلى عقاب جماعي، لا يطال الشخص وحده، بل يمتد ليشمل أفراد أسرته والمقربين منه، الذين يُجبرون على تحمل تبعات قرار لا ذنب لهم فيه. قبل نحو عشرين عامًا، فقدتُ أربعة من أفراد عائلتي في حادث سير مروّع وقع في شمال البلاد. وفي ذلك الوقت، كانت إحدى قريباتنا خارج البلاد، فتأجلت مراسم الجنازة إلى حين عودتها. وكانت أيام الانتظار بمثابة كابوس متواصل لا يُحتمل. ولم يلتقط الجميع أنفاسهم إلا بعد أن وُوريت الجثامين الثرى. عندها أدركتُ أن البيت مكان الأحياء، والقبر مكان الأموات. فتلك هي سنة الحياة، وذلك هو المصير الطبيعي للموت. فالحيّ الذي يُحرم من بيته يعيش مأساة شخصية قاسية، أما الميت الذي يُحرم من قبره، فإن المأساة لا تصيبه وحده، بل تمتد إلى أسرته بأكملها. فمعاناة الحي تبقى فردية، أما معاناة الميت المحروم من الدفن، فهي معاناة جماعية تتقاسمها عائلته وكل من أحبّه. لا أعرف مصدر ذلك الشعور الثقيل الذي يعتري الإنسان عندما يبقى الجثمان معلقًا بين السماء والأرض، من دون أن يجد مكانه الطبيعي في باطن التراب. ماذا تشعر عائلة الفقيد عندما يبقى جثمان عزيزها مودعًا في ثلاجة الموتى؟ وهل يتسلل ذلك البرد إلى عظام الأحياء أيضًا؟ لا أعرف على وجه اليقين، لكن يمكن الافتراض أن الأمر كذلك. كل ما أعرفه هو أن الجثمان، ما دام لم يجد مثواه الأخير تحت التراب، يبقى أشبه بابنٍ ضائع لا يكف والداه عن البحث عنه، وتظل عائلته أسيرة انتظار مؤلم لا ينتهي حتى يُوارى الثرى. بطبيعة الحال، فإن كل ذلك لا يمسّ مشاعر السياسيين أو قادة الجيش في إسرائيل، وفي مقدمتهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس. وحتى في الدولة التي تصف نفسها بأنها دولة القانون والعدالة، لا يبدو أن هذا الواقع يثير أي اكتراث. أما القضاة، الذين يتعرضون باستمرار لهجمات من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحلفائه، فإنهم يواصلون، مرة بعد أخرى، المصادقة على هذا الوضع الذي يصعب تصديقه. ولعل الحياة وحدها قادرة على أن تجمع بين النقيضين في آنٍ واحد؛ أن تُرفع شعارات القانون والعدالة، بينما يُكرَّس واقع يناقضهما. قبل عدة أشهر، تلقت عائلة الجندي دوف (دوبا) برمات، الذي قُتل في حرب عام 1948، نبأً يفيد بأن قوات الأمن عثرت مؤخرًا على جثمانه. وعلى مدى 78 عامًا، كان برمات يُصنَّف على أنه "قتيل في صفوف الجيش الإسرائيلي لا يُعرف مكان دفنه". واليوم، بدا وكأنه عاد إلى الحياة من جديد، على الأقل في وجدان عائلته. ومن الطبيعي أن يبعث العثور على جثمانه شعورًا بالفرح والارتياح لدى أفراد أسرته، إذ أصبح بإمكانهم أخيرًا الوقوف عند قبره وإحياء ذكراه. ومع ذلك، فإن هذا التناقض يثير الكثير من التأملات؛ فمن جهة، هناك نفسٌ تنبض بالمشاعر الإنسانية، ومن جهة أخرى، هناك نفسٌ تتعامل بقسوة مع معاناة الآخرين. وفي الختام، لا يسعني إلا أن أذكّر بما يقوله المسلمون، والعرب عمومًا: «إكرام الميت دفنه». فقط... لتعلموا.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|