| أبرز النقاط في مقابلة نادر أبو تامر: |
|
| الكرمل : |
| هل تشعر أن منصات التواصل الاجتماعي تحظى باهتمام الجمهور الواسع أكثر من وسائل الإعلام؟ |
| نادر أبو تامر : |
|
أعتقد أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم تحظى باهتمام أكبر من وسائل الإعلام التقليدية، بل يمكن القول إنها باتت اللاعب الأبرز في المشهد الإعلامي. فهي توفر للمستخدم الأخبار والمعلومات والبيانات على مدار الساعة، من دون أي قيود زمانية أو مكانية، وتتيح له متابعة ما يجري لحظة بلحظة، أينما كان.
فقد يكون الشخص خارج البلاد، ومع ذلك يتابع في الوقت الحقيقي كل ما يحدث داخلها عبر منصات التواصل، من دون الحاجة إلى انتظار نشرات الأخبار أو البرامج الإذاعية والتلفزيونية. ولهذا السبب تغيّر نمط استهلاك الجمهور للمحتوى الإعلامي بشكل جذري.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن وسائل الإعلام التقليدية فقدت مكانتها بالكامل. فما زال كثيرون يستمعون إلى الإذاعة، سواء في السيارات، أو في المكاتب، أو في أماكن العمل، أو حتى في المحال التجارية وورش العمل، حيث تبقى الإذاعة حاضرة في الحياة اليومية لشريحة واسعة من الجمهور.
لكن الفارق الأساسي يكمن في أن منصات التواصل الاجتماعي تمنح المستخدم مرونة لا توفرها وسائل الإعلام التقليدية. فإذا فاتك خبر أو برنامج، يمكنك العودة إليه في أي وقت، ومشاهدته أو الاستماع إليه عبر الرابط الإلكتروني، كما يمكنك مشاركته مع الآخرين والتفاعل معه بالتعليق وإبداء الرأي.
أما البرامج الإذاعية أو التلفزيونية، فإذا لم تتمكن من متابعتها في وقت بثها، فإن فرصة الوصول إليها تصبح أكثر محدودية، في حين تتيح المنصات الرقمية الوصول إلى المحتوى في أي وقت ومن أي مكان.
لذلك، يمكن القول إن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تمتلك الحصة الأكبر من اهتمام الجمهور، لأنها تجمع بين سرعة الوصول إلى المعلومة، وسهولة الرجوع إليها، وإمكانية التفاعل معها، وهي مزايا يصعب على وسائل الإعلام التقليدية مجاراتها بالدرجة نفسها.
|
| الكرمل : |
| عرفناك دائماً كاتباً ومعلماً مبدعاً للغة العربية، ما الذي أتى بك إلى الإعلام والإذاعة؟ |
| نادر أبو تامر : |
| قصتي مع الإعلام بدأت بالصدفة، لكنها كانت نقطة تحول كبيرة في حياتي. أنا من مدينة شفاعمرو، وحتى عام 1983 كنت أعيش هناك، ثم انتقلت إلى القدس للدراسة في الجامعة العبرية، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط وعلم الاجتماع، ثم واصلت دراستي حتى نلت درجة الماجستير في اللغة العربية. بعد إنهاء الماجستير وجدت نفسي أمام خيارين: إما العمل في التدريس أو البحث عن مسار مهني آخر. لم أكن أرغب في أن أحصر نفسي داخل مهنة واحدة، رغم أنني عملت لفترة قصيرة مدرسًا للغة العربية، من بينها في مدرسة المطران في القدس، وكذلك في مدرسة أبو غوش الثانوية. وفي الوقت نفسه، كنت أعمل مترجمًا لأؤمّن مصاريف دراستي ومعيشتي، لأنني أنتمي إلى أسرة لم تكن قادرة على تغطية جميع تكاليف الدراسة. ومع مرور الوقت أصبحت الترجمة المجال الذي كرّست له معظم جهدي، وترجمت ما يزيد على خمسين كتابًا من العبرية إلى العربية، إلى جانب مئات المقالات وآلاف المواد الإعلامية والأفلام. هذا التخصص قادني لاحقًا إلى العمل الأكاديمي، فدرّست الترجمة والتدقيق اللغوي في كلية بيت بيرل لسنوات طويلة، كما درّست طلبة الماجستير في جامعة بار إيلان، التي كانت آنذاك الجهة الأكاديمية الوحيدة التي تمنح درجة الماجستير في الترجمة. ورغم أن تخصصي الأكاديمي الأساسي هو اللغة العربية، فإن خبرتي العملية الواسعة في الترجمة جعلتني أُكلَّف بتدريس هذا المجال في المؤسسات الأكاديمية. أما دخولي إلى الإعلام، فكان مصادفة بحتة. ففي عام 1993 عرض عليّ أحد العاملين في الإذاعة وظيفة محرر لغوي. تقدمت للاختبار، وبعد أن أنهيت تحرير النصوص طلبت مني إدارة الإذاعة أن أقرأ أحدها بصوت مرتفع. وبعد الاستماع إليّ، فاجأني المسؤولون بسؤال لم أتوقعه: «هل ترغب في العمل مذيعًا؟». استغربت الأمر، لأنني جئت أساسًا للعمل محررًا لغويًا، وكنت لا أزال أعمل في التدريس، لكنهم أصروا على استقطابي، ووفّروا لي المرونة التي تسمح لي بإنهاء عملي في المدرسة والالتحاق بالإذاعة بعد الظهر. وهكذا دخلت عالم الإعلام. ذهبت لأعمل محررًا لغويًا، فإذا بي أبدأ مشواري مذيعًا. والحقيقة أن الوقوف أمام الجمهور لم يكن غريبًا عني؛ فمنذ أيام الدراسة الجامعية كنت أتولى إدارة الاحتفالات الطلابية، وأتحدث باسم الطلبة في المجالس والفعاليات المختلفة، لذلك لم أشعر بالرهبة عندما أمسكت الميكروفون لأول مرة. في تلك الفترة كان المذيع يحتاج إلى تدريب يمتد نحو عامين قبل أن يقدم البرامج مباشرة، لكن خلفيتي في اللغة العربية، والترجمة، وإتقاني للعربية والعبرية، ساعدتني على الاندماج بسرعة كبيرة، فانتقلت خلال فترة قصيرة إلى تقديم البرامج الإذاعية على الهواء مباشرة، لتبدأ رحلة امتدت سنوات طويلة في العمل الإعلامي. |
| الكرمل : |
| لماذا قررت أن تستأثر في كتاباتك أدب الأطفال وقصص الأطفال ؟ |
| نادر أبو تامر : |
| الحقيقة أن دخولي إلى عالم أدب الأطفال جاء أيضًا بمحض الصدفة، لكنها كانت من أجمل الصدف في حياتي. ولا يمكنني الحديث عن هذه البداية من دون أن أذكر أستاذي الكبير، البروفيسور لطفي منصور، الذي كان له أثر عميق في تكويني اللغوي والفكري. كان معلمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان يفتح لي أبواب مكتبته العامرة بالكتب، ويشجعنا، نحن طلابه، على القراءة والبحث والتفكير النقدي. أما الشرارة الأولى، فجاءت من داخل بيتي. ففي أحد الأيام سألني ابني رامي سؤالًا بينما كنت منشغلًا، فطلبت منه أن ينتظر حتى أفرغ. لكنه غلبه النعاس ونام قبل أن أجيبه. عندها شعرت بتأنيب الضمير، وقلت لنفسي: يجب أن أجيبه، لكن بطريقة يفهمها ويستمتع بها. وهكذا ولدت أول قصة كتبتها، وكانت بعنوان "رامي لا يشبه أحدًا". تناولت القصة سؤالًا بسيطًا طرحه طفل، لكنه قاد إلى قضية إنسانية وأخلاقية أعمق، تتعلق بالرفق بالحيوان والنظر بعين ناقدة إلى بعض الموروثات والعادات التي نتعامل معها أحيانًا وكأنها مسلّمات لا يجوز مناقشتها. كنت أؤمن بأن التراث مهم، لكنه ليس فوق النقد، وأن من حق الطفل أن يتعلم التفكير والسؤال. ولم يكن هذا السؤال الوحيد الذي ألهمني. فقد عشت مواقف مشابهة مع أطفالي. إحدى بناتي رفضت تناول اللحم بعد أن شاهدت ذبح خروف في عيد الأضحى، وابنتي الصغرى اختارت أن تصبح نباتية بعدما اكتشفت أن قطعة الدجاج التي تأكلها كانت طائرًا حيًا. هذه الأسئلة البريئة كانت بالنسبة إليّ مصدرًا للإلهام، وحافزًا لكتابة قصص تحاور الطفل وتحترم عقله. عرضت قصتي الأولى على نخبة من الأدباء والأكاديميين، بينهم الراحل فاروق مواسي، والراحل محمود غنايم، والبروفيسور مصطفى كبها، والبروفيسور لطفي منصور، الذين شجعوني على مواصلة الكتابة. وكان لطفي منصور أول من اقترح تحويل هذه القصص إلى مشروع متكامل لأدب الأطفال. في البداية لم أفكر إطلاقًا في إصدار كتب، فقد كنت أكتب لأجيب عن أسئلة أطفالي فقط. لكن ابني الأكبر قال لي يومًا: "إذا كانت هذه القصص تعجبنا نحن، فلماذا لا يقرأها جميع الأطفال؟". كانت تلك الجملة نقطة التحول الحقيقية، وأدركت أن ما أكتبه لا يخص أطفالي وحدهم، بل يمكن أن يصل إلى أطفال كثيرين. ومنذ عام 2006 بدأت رحلتي الفعلية مع أدب الأطفال، وحرصت في كل قصة على أن تنتهي برسالة إيجابية تمنح الطفل الأمل، وتشجعه على التفكير، لا على الحفظ والتلقين. فأنا لا أحب الوعظ المباشر، بل أؤمن بأن الطفل يستطيع أن يستخلص الفكرة بنفسه من خلال أحداث القصة. ولهذا تناولت في قصصي موضوعات مثل الخوف من الظلام، واحترام الاختلاف، وتقبّل الآخر، والرحمة، والانتماء، والتسامح. ومن أكثر القصص التي أعتز بها قصة "الزرافة ظريفة"، التي تتناول فكرة الاختلاف والتنمر. بطلتها زرافة تختلف عن بقية الزرافات بسبب رقبتها القصيرة، فتتعرض للإقصاء والسخرية، قبل أن تكتشف المجموعة أن الاختلاف ليس عيبًا، بل قد يكون مصدر قوة. اللافت أنني كتبت هذه القصة قبل سنوات من شيوع مصطلح "التنمر"، لكنها تناولت الفكرة ذاتها من خلال لغة بسيطة يفهمها الأطفال. |
| الكرمل : |
| هل شعرت أن الكتابة للأطفال هو أمر أصعب بكثير من الكتابة للبالغين ؟ |
| نادر أبو تامر : |
| أؤمن بأن الكتابة للأطفال هي أصعب بكثير من الكتابة للكبار، لأنها ليست مجرد عمل أدبي، بل مسؤولية تربوية وأخلاقية. فالكاتب عندما يكتب للكبار يدرك أن القارئ يمتلك القدرة على التحليل والاختيار، فيأخذ من النص ما ينسجم مع قناعاته ويترك ما لا يراه مناسبًا. أما الطفل، فإن كل كلمة يقرؤها قد تترك أثرًا عميقًا في شخصيته وفي نظرته إلى العالم، ولذلك فإن الكتابة له تتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والمسؤولية. من هذا المنطلق، حرصت على أن تحمل قصصي رسائل إنسانية وتربوية من دون وعظ مباشر. فعلى سبيل المثال، كتبت قصة "ليلى الخضراء" لأغرس في الأطفال حب الطبيعة والوعي البيئي، وقد لمست لاحقًا أثرها في المدارس، حيث ساهمت في تعزيز الثقافة البيئية لدى كثير من التلاميذ. أما قصة "الزرافة ظريفة"، فقد تناولت قضية احترام الاختلاف ورفض التنمر. بطلتها زرافة تختلف عن غيرها بسبب رقبتها القصيرة، فتتعرض للإقصاء والسخرية، لكنها تثبت في النهاية أن الاختلاف ليس نقطة ضعف، بل مصدر تميز وقوة. وقد كتبت هذه القصة قبل أن يصبح مصطلح "التنمر" شائعًا، لكنها كانت تعالج هذه الظاهرة وتدعو إلى تقبل الآخر واحترامه، وهي رسالة أراها بالغة الأهمية، خاصة في مجتمع يعاني من مظاهر العنف والإقصاء. وينطبق الأمر أيضًا على قصة "برازي ونظارة الأبطال"، التي تتناول طفلًا يرتدي نظارة فيتعرض للسخرية من زملائه، قبل أن يكتشفوا أن ما اعتبروه سببًا للاستهزاء هو في الحقيقة مصدر قوة وتميز. أردت من خلالها أن أبعث رسالة واضحة للأطفال: لا تسمحوا للاختلاف أن يتحول إلى وسيلة للتنمر، فلكل إنسان خصوصيته، وهذه الخصوصية قد تكون سر نجاحه. لهذا أعتبر أن أدب الأطفال ليس وسيلة للترفيه فحسب، بل أداة لبناء الإنسان، وترسيخ قيم الاحترام، والتسامح، وقبول الآخر، والثقة بالنفس، وهي قيم نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى. |
| الكرمل : |
| تحتل اليوم تطبيقات تعليم الأطفال وقصص وألعاب الأطفال الإلكترونية مكان الكتاب والقصة المكتوبة والإوراق- ألا تعتقد أن ذلك يمنحهم وسائل متنوعة أقوى من مجرد قراءة قصة في كتاب لبضعة صفحات؟ |
| نادر أبو تامر : |
| لا أعتقد أن التكنولوجيا يجب أن تكون بديلًا للكتاب، بل أراها مكملة له. فالمعادلة الناجحة، برأيي، تكمن في الجمع بين العالمين، بحيث نستفيد من الإمكانات التي توفرها الوسائل الرقمية، وفي الوقت نفسه نحافظ على العلاقة العميقة التي يبنيها الطفل مع الكتاب الورقي. التطبيقات والألعاب الإلكترونية تقدم وسائل تعليمية جذابة وسريعة، وتستطيع أن تشجع الطفل على التعلم بطريقة تفاعلية، وهذا أمر مهم ولا يمكن تجاهله. لكن الكتاب يمنح القارئ تجربة مختلفة تمامًا؛ فهو يخلق علاقة خاصة بين الإنسان والنص، ويتيح له التأمل والعودة إلى الصفحات، وتدوين الملاحظات، والتفاعل مع المادة بصورة أعمق. أنا شخصيًا ما زلت منحازًا إلى الكتاب الورقي. حتى عندما تصلني مقالة عبر الهاتف، أفضل أن أطبعها وأقرأها على الورق، لأنني أجد في القراءة الورقية متعة وتركيزًا لا توفرهما الشاشة. لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من حياة الأجيال الجديدة، ويمكن استثمارها إيجابيًا. وأذكر أن ابني رامي حقق نتائج متميزة في اللغة الإنجليزية، وعندما سألته عن مصدر تعلمه، أجابني ببساطة: "من يوتيوب." عندها أدركت أن المنصات الرقمية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للتعلم إذا أُحسن استخدامها. ولذلك أدعو دائمًا إلى التكامل بين الوسيلتين، لا إلى الصراع بينهما. أما عن تأثير القصة في الطفل، فأنا مؤمن بأنها قد تترك أثرًا يمتد سنوات طويلة. وأذكر أن ابنتي سوار، عندما بدأت مرحلة تبديل الأسنان، كانت كثيرة التساؤل والقلق، فكتبت لها قصة بعنوان "سوار تبحث عن سنها". كانت تقرؤها كل ليلة قبل النوم، وظلت مرتبطة بها لفترة طويلة. والمفاجأة أنها عندما كبرت واختارت تخصصها الجامعي، قررت دراسة طب الأسنان، وقالت لي إن تلك القصة التي رافقتها في طفولتها بقيت راسخة في ذاكرتها وأسهمت، بصورة أو بأخرى، في تشكيل اهتمامها بهذا المجال. هذه التجربة أكدت لي أن قصة واحدة قد تترك أثرًا عميقًا في وجدان الطفل، وقد تسهم في تشكيل اهتماماته ومستقبله. ومن هنا أرى أن أدب الأطفال لا يقتصر على الترفيه، بل يحمل أيضًا مسؤولية تربوية وثقافية، تتمثل في مساعدة الطفل على فهم القضايا الكبرى في الحياة بطريقة علمية وإنسانية، بعيدًا عن الخرافات والتفسيرات الغيبية التي ما زالت ترافق كثيرًا من الموضوعات، مثل الولادة، والموت، وغيرها. ولهذا كتبت عددًا من القصص التي تتناول هذه القضايا بلغة تناسب الأطفال، ومن بينها قصة "أجنحة الملائكة"، التي تساعد الطفل على فهم معنى الموت والتعامل مع فقدان شخص عزيز بطريقة إنسانية هادئة، وهي من القصص التي أصبحت تُستخدم في عدد من المدارس العربية لهذا الغرض. |
| الكرمل : |
| نحن نجلس الآن في المكتبة العامة للبلدة. هل تعتقد أن الناس في يومنا يستغلون المكاتب العامة أم أن زمن المكتبات قد ولى ؟ |
| نادر أبو تامر : |
| أعتقد، بكل أسف، أن المكتبات العامة تواجه اليوم تحديًا حقيقيًا، لأن التكنولوجيا غيّرت أنماط القراءة والبحث والوصول إلى المعرفة. ومع ذلك، لا أعتقد أن دورها انتهى، بل ما زالت قادرة على أداء رسالة ثقافية وتربوية مهمة إذا أحسنّا تطويرها. خذوا هذه المكتبة العامة في باقة الغربية مثالًا. إذا نزلتم إلى قاعات المطالعة، ستجدونها مليئة بطلبة الجامعات، الذين يقصدونها يوميًا لأنها توفر لهم بيئة مناسبة للدراسة، من الهدوء إلى أجهزة الحاسوب، وشاشات العرض، وشواحن الأجهزة، وكل ما يحتاجه الطالب لإنجاز أبحاثه ودراسته. هذا المشهد يبعث على التفاؤل، ويؤكد أن المكتبة ما زالت تحتفظ بمكانتها عندما تواكب احتياجات الجيل الجديد. أما بالنسبة إليّ، فارتباطي بالكتاب بدأ منذ الطفولة. في سبعينيات القرن الماضي لم تكن المكتبات متوافرة كما هي اليوم، وكنت أستعير الكتب التي كان شقيقاي الأكبر مني يحصلان عليها بالمراسلة من مكتبة دانيال في الناصرة. كان الكتاب الواحد ينتقل بين عدد كبير من القراء، وكنت أنتظر وصوله بشغف، وأحرص على إنهائه قبل أن أخرج للعب مع أصدقائي. في تلك الأيام كان الكتاب كنزًا حقيقيًا، وكانت القراءة بالنسبة إلينا نافذتنا الأولى على العالم. لهذا السبب كوّنت على مدار سنوات طويلة مكتبة شخصية كبيرة، قرأت معظم كتبها، ثم قررت لاحقًا التبرع بها للمكتبة العامة في باقة الغربية، لأنني أؤمن أن الكتاب ينبغي أن يبقى حيًا بين أيدي القراء، لا أن يبقى حبيس رفوف المنازل. أردت أن يستفيد منها طلبة الجامعات والباحثون، وأن تواصل هذه الكتب رسالتها مع أجيال جديدة. حتى الكتاب يبقى الجسر الأجمل بين الناس، وأن الثقافة قادرة دائمًا على تجاوز الحدود والهويات. لذلك، ورغم كل ما وفرته التكنولوجيا من وسائل حديثة، ما زلت أؤمن بأن الكتاب الورقي سيظل يحتفظ بقيمته، وأن المكتبات العامة ستبقى مؤسسات لا غنى عنها في بناء الإنسان، إذا استمرت في التطور والاستجابة لاحتياجات المجتمع. |
| الكرمل : |
| لا تقتصر فائدة المكتبات العامة على قراءة الكتب بل أيضاً من المفروض وجود نشاطات ثقافية وفنية وتربوية. ألا تعتقد أن سلطاتنا المحلية مقصرة جداً في دعم هذه الناحية وأن ادعاءاتها بعدم وجود الميزانيات هي حجة واهية، والحقيقة هي في خلل سلم الأولويات ؟ |
| نادر أبو تامر : |
| في رأيي، القضية ليست قضية ميزانيات بقدر ما هي قضية سُلّم أولويات. كثير من الأنشطة الثقافية لا تحتاج إلى موازنات ضخمة، بل إلى إرادة حقيقية وإيمان بأهمية الثقافة في بناء المجتمع. على سبيل المثال، نحن نستضيف غدًا في هذه المكتبة الكاتب الكبير محمد علي طه، ليتحدث مع الجمهور عن عدد من أعماله، ومنها «نوم الغزلان» و*«عائد المعري يبيع المناقيش في تل الزعتر»*. سيحضر الناس ليستمعوا مباشرة إلى الكاتب، ويتحاوروا معه، ويقتربوا من تجربته الأدبية. مثل هذا النشاط لا يحتاج إلى ميزانية كبيرة؛ فالمكان موجود، والجمهور حاضر، وما نحتاجه هو المبادرة والتنظيم. لذلك أرى أن تبرير غياب الأنشطة الثقافية بعدم وجود ميزانيات ليس دقيقًا في كثير من الأحيان. فهناك أيضًا جهات حكومية، وصناديق دعم، ومؤسسات ثقافية يمكن الاستفادة منها لتمويل مثل هذه المبادرات. وأعتقد أن التجربة في باقة الغربية تقدم نموذجًا إيجابيًا؛ فالحراك الثقافي فيها نشط، وتشهد المدينة باستمرار عروضًا مسرحية، وأمسيات أدبية، وحفلات موسيقية، وفعاليات متنوعة تستقطب الجمهور. وهذا يؤكد أن النجاح في العمل الثقافي يرتبط أولًا بالرغبة والإدارة السليمة، قبل أن يرتبط بحجم الميزانية. باختصار، عندما تكون الثقافة ضمن أولويات صانع القرار، فإنه سيجد دائمًا الوسائل اللازمة لدعمها. فالإرادة هي الأساس، ومن يملك الإرادة يستطيع أن يصنع الفرق. |
| الكرمل : |
| ما سر دعمك القوي واللا متناهي لرونالدو وريال مدريد؟ |
| نادر أبو تامر : |
| صحيح، لدي شغف كبير بكرة القدم، لكنني في الحقيقة كنت دائمًا أميل إلى حب اللاعب الموهوب أكثر من حبي للنادي نفسه. منذ طفولتي كنت أعشق اللاعبين الذين يصنعون الفارق داخل الملعب. كانت البداية مع دييغو مارادونا، الذي شدني بموهبته الاستثنائية، وجعلني أشجع المنتخب الأرجنتيني. بعد ذلك جاء زين الدين زيدان، ثم رونالدو البرازيلي، وكل واحد منهم ترك بصمة خاصة في ذاكرتي الكروية. أما كريستيانو رونالدو، فقد شعرت منذ بداياته أنني أمام لاعب استثنائي بكل معنى الكلمة. لم يكن الأمر يتعلق بالموهبة فقط، بل أيضًا بالإصرار والانضباط والرغبة الدائمة في التطور. منذ مطلع الألفية وهو يحافظ على أعلى المستويات، وحتى اليوم، بعد أكثر من عقدين، ما زال ينافس في القمة، وهذا أمر نادر في عالم كرة القدم. لهذا السبب بدأت أشجع مانشستر يونايتد خلال فترة لعبه هناك، وفي الوقت نفسه كنت أحب ريال مدريد بسبب وجود زيدان. وعندما انتقل رونالدو إلى ريال مدريد عام 2009، أصبح ارتباطي بالنادي أكبر، وبعد رحيله بقي حبي لريال مدريد مستمرًا. كثيرون يظنون أنني أعادي ليونيل ميسي، وهذا غير صحيح إطلاقًا. أنا أعتبر ميسي أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم، لكن المنافسة التاريخية بينه وبين رونالدو جعلت الأضواء تتوزع بينهما، وكنت بطبيعة الحال أتمنى دائمًا أن يكون رونالدو هو صاحب الحضور الأبرز، لأنني كنت أشجعه منذ البداية. لكن إعجابي برونالدو لا يقتصر على ما يقدمه داخل الملعب، بل يمتد إلى قصة حياته. فقد خرج من ظروف اجتماعية صعبة، وعاش طفولة مليئة بالتحديات، واستطاع بالإصرار والعمل أن يصبح أحد أعظم لاعبي العالم. كما أنني أقدّر نشاطه الإنساني وأعماله الخيرية، ومنها تبرعه المستمر بالدم، وحرصه على مساعدة المحتاجين، ووفاءه للأشخاص الذين وقفوا إلى جانبه في بداياته. أنا بطبيعتي أحب قصص النجاح التي تبدأ من الصفر، وأؤمن بالأشخاص الذين يكسرون الواقع المفروض عليهم ويصنعون مستقبلهم بأنفسهم. ولهذا السبب لا يقتصر إعجابي على رونالدو وحده، بل يمتد إلى لاعبين آخرين خاضوا رحلات كفاح مشابهة، مثل ساديو ماني، وكاسيميرو، وغيرهما من اللاعبين الذين انطلقوا من ظروف بسيطة ووصلوا إلى أعلى المستويات بفضل العمل والاجتهاد. في النهاية، ما يجذبني في الرياضة ليس مجرد الفوز بالألقاب، بل الإرادة، والانضباط، وقصة الإنسان الذي يتحدى الصعوبات ويثبت أن النجاح يمكن أن يُصنع بالإصرار والعمل. |
| الكرمل : |
| ألا تعتقد أن إسبانيا استحقت الفوز على فرنسا وتستحق منك المديح؟ |
| نادر أبو تامر : |
| في رأيي، الفريق الأفضل هو الذي ينجح في تحقيق الفوز داخل الملعب. قد يختلف الناس في تقييم الأداء أو الجماليات، لكن كرة القدم في النهاية تُحسم بالنتيجة. خذ المباراة الأخيرة بين إسبانيا وفرنسا مثالًا. قبل المباراة كنت قد كتبت بوضوح أن المنتخب الإسباني يمتلك منظومة لعب متكاملة، خصوصًا في خط الوسط، الذي يُعد نقطة قوته الأساسية. سيطر لاعبوه على مجريات اللقاء، وأحسنوا إدارة إيقاع اللعب، ونجحوا في الحد من خطورة المنتخب الفرنسي. والدليل على ذلك أن فرنسا، وهي من أكثر المنتخبات تسجيلًا للأهداف في البطولة، لم تتمكن من تسجيل أي هدف في تلك المباراة. وهذا لا يعود إلى سوء حظ، بل إلى التفوق التكتيكي والتنظيمي للمنتخب الإسباني، الذي عرف كيف يغلق المساحات، ويفرض أسلوبه، ويمنع منافسه من استغلال نقاط قوته. لهذا أرى أن فوز إسبانيا كان مستحقًا، وأن المنتخب الأفضل هو من عرف كيف يترجم تفوقه داخل الملعب إلى نتيجة. وفي النهاية، تبقى كرة القدم بالنسبة إليّ مدرسة في المنافسة الشريفة والروح الرياضية. قد أشجع فريقًا أو لاعبًا بعينه، لكنني أؤمن دائمًا بأن الاحترام يجب أن يكون من نصيب من يقدم الأداء الأفضل ويستحق الانتصار. |
| الكرمل : |
| عالم كرة القدم يأخذ حيزاً جيداً في مقابلاتك وتعليقاتك وهذا ممتاز . ألا تعتقد أنه يجب أن يأخذ حيزاً أكبر في ثقافتنا وحديثنا بدل الأحاديث المبتذلة وال"المعلومات" المزيفة والسخيفة في وسائل التواصل؟ |
| نادر أبو تامر : |
| أعتقد أن وسائل الإعلام، سواء التقليدية أو الرقمية، مطالبة بأن تخاطب جميع فئات المجتمع، وأن تقدم محتوى متنوعًا يلبّي اهتمامات الناس المختلفة، لكن من دون أن تتخلى عن الجودة والقيمة. مشكلتي الأساسية مع جزء كبير من محتوى وسائل التواصل الاجتماعي ليست في المنصة نفسها، وإنما في نوعية المحتوى الذي يُقدَّم. فهناك للأسف محتوى هابط يساهم في تسطيح الذوق العام، ويجرّ الجمهور نحو الاهتمام بالقضايا الهامشية بدلًا من القضايا التي تثري الفكر وتبني الوعي. من غير المعقول، برأيي، أن نرى أشخاصًا لا يقدمون أي قيمة معرفية أو ثقافية، ومع ذلك يحظون بملايين المتابعين، في حين يواجه أصحاب المحتوى الجاد صعوبة في الوصول إلى الجمهور. هذه مفارقة تستحق التوقف عندها. أنا أؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقيمة ما يقدمه الإنسان وتأثيره الإيجابي في المجتمع. لذلك أحرص دائمًا على أن يكون المحتوى الذي أقدمه هادفًا، سواء كان في الأدب، أو اللغة، أو الثقافة، أو حتى في الرياضة، لأن الرياضة أيضًا تحمل قيمًا تربوية وإنسانية، مثل الانضباط، والعمل الجماعي، واحترام المنافس، والإصرار على النجاح. ولهذا السبب لا أتابع صناع المحتوى الذين يفتقرون إلى الرسالة أو المستوى المهني، بل أبحث دائمًا عن الصفحات والبرامج التي تضيف معرفة، وتحترم عقل المتلقي، وتقدم محتوى يرتقي بالذوق العام، لا أن يهبط به. |
| الكرمل : |
| كيف أنت والفن ؟ هل لديك اهتمامات أو ميول فنية ؟ |
| نادر أبو تامر : |
| في الحقيقة، كانت بدايتي الأولى مع المسرح، قبل الإعلام والكتابة. فقد بدأت ممثلًا مسرحيًا في طفولتي، وما زلت أحتفظ حتى اليوم بصور من تلك المرحلة التي أعتز بها كثيرًا. نشأت في حي الفوّار بمدينة شفاعمرو، وهناك كنا، أنا وأصدقائي، نكتب ونمثل مسرحيات بسيطة، ثم نعرضها أمام أبناء الحي. كانت تلك التجربة الأولى التي عرّفتني على خشبة المسرح، وعلى قوة الكلمة في التأثير بالناس. لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي لم يكن النجاح المسرحي، بل موقف إنساني مؤلم غيّر شيئًا في داخلي. كانت والدتي قد توفيت بصورة مفاجئة قبل عيد الأم بفترة قصيرة، وكان ذلك أول عيد أم يمرّ بعد رحيلها. كنت آنذاك في الصف الخامس الابتدائي، وطلبت منا المدرسة تقديم مسرحية بهذه المناسبة. بعد انتهاء العرض، بدأ جميع الأطفال ينزلون من المسرح ليعانقوا أمهاتهم، بينما بقيت أنا واقفًا وحدي، أبحث بعينيّ بين الوجوه عن أمي. كنت أرى كل الأطفال يحتضنون أمهاتهم، أما أنا فلم يكن هناك من ينتظرني. في تلك اللحظة شعرت، للمرة الأولى، بحقيقة الفقدان. أدركت أن أمي لن تأتي، وأن هذا الفراغ لن يملأه أحد. انتبهت إلى موقفي معلمة الصف، الأستاذة بدرية عساف، فتقدمت نحوي واحتضنتني. صحيح أنها لم تكن أمي، لكنها في تلك اللحظة منحتني شعورًا بالأمان، وخففت عني شيئًا من ذلك الألم الذي لا يزال يرافقني حتى اليوم. ولهذا السبب، كلما تحدثت عن والدتي، أشعر بأن الكلمات تخونني، ويثقل صوتي بالمشاعر. فهناك جراح لا يمحوها الزمن، وإنما نتعلم فقط كيف نتعايش معها. ولم تكن تلك المحطة المؤلمة الوحيدة في حياتي. فعندما أنهيت دراستي الجامعية وحان موعد حفل التخرج، كان والدي أيضًا قد رحل عن الدنيا، ولم يكن حاضرًا ليرى تلك اللحظة التي كنت أتمنى أن يشاركني فيها. وهكذا وجدت نفسي أعيش أهم محطتين في حياتي، عيد الأم وحفل التخرج، من دون وجود والديّ إلى جانبي. ربما كانت هذه التجارب القاسية سببًا في أن أصبحت أكثر حساسية تجاه الإنسان، وأكثر إيمانًا بأن الكلمة الصادقة، والاحتضان، والموقف الإنساني، قد تترك في النفس أثرًا لا يقل أهمية عن أي إنجاز علمي أو مهني. |
| الكرمل : |
| : البعض يقول أننا لسنا بحاجة لا للرقص الفني ولا الباليه ولا الأوبرا ولا حتى الفن التشكيلي بدعوى أن ثقافتنا تختلف وهي غير ملائمة لذلك. ما رأيك في هذا الادعاء؟ |
| نادر أبو تامر : |
| أرفض هذا الطرح رفضًا قاطعًا. فالثقافة العربية، عبر تاريخها، كانت ولا تزال ثقافة غنية بالفنون بكل أشكالها؛ بالغناء، والموسيقى، والمسرح، والشعر، والفنون البصرية. وهذه الفنون ليست ترفًا، بل جزء أصيل من هويتنا الحضارية. يكفي أن نتذكر أن مدنًا فلسطينية مثل يافا وحيفا كانت تستضيف حفلات أم كلثوم، وأن الناس كانوا يتجمعون في المقاهي لسماع أغانيها الجديدة فور صدورها. هذا وحده يؤكد أن الذائقة الفنية كانت حاضرة بقوة في مجتمعنا، وأن الفن كان جزءًا من الحياة اليومية. أما المسرح، فهناك دراسات مهمة، من بينها أعمال الباحث الراحل شموئيل موريه، التي تؤكد أن أشكالًا من المسرح كانت موجودة في الثقافة العربية منذ قرون، حتى وإن لم تكن مطابقة للمسرح الحديث بمفهومه الأوروبي. وهذا يدل على أن الفنون ليست غريبة عن مجتمعنا كما يروّج البعض. وقبل أيام أهداني الفنان محمود صبح كتابًا بعنوان «تجليات الدراما في القرآن الكريم»، يتناول قصة يوسف عليه السلام نموذجًا، ويبين كيف تتوافر فيها جميع العناصر الدرامية من حبكة، وصراع، وشخصيات، وتصاعد للأحداث. وهذا يؤكد أن الدراما نفسها متجذرة في تراثنا وثقافتنا. لذلك أرفض فكرة أن الفنون لا تناسب مجتمعنا. على العكس، أرى أن الثقافة بكل أشكالها ليست ترفًا أو امتيازًا، وإنما حاجة إنسانية أساسية، وركن من أركان بناء المجتمع. ولهذا كنت وما زلت أؤكد أن المكتبات العامة والمراكز الثقافية والسلطات المحلية ينبغي أن تتحول إلى منصات دائمة للثقافة، تستضيف المسرح، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والندوات، والأنشطة الأدبية، لأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان. وأنا مؤمن بأن الثقافة ليست مجرد إنتاج فني، بل هي أيضًا وسيلة لمواجهة العنف وبناء مجتمع أكثر إنسانية. فالإنسان الذي يحمل كتابًا، أو يعزف على آلة موسيقية، أو يقف على خشبة المسرح، أقل ميلًا إلى حمل السلاح أو ممارسة العنف. الثقافة تهذب الوجدان، وتوسع الأفق، وتغرس قيم الحوار والتسامح واحترام الآخر. لذلك أرى أن نشر الثقافة ليس مشروعًا للنخبة، بل مشروعًا مجتمعيًا بامتياز، لأنه كلما ارتفع مستوى الوعي والثقافة، تراجعت مظاهر العنف والكراهية، واقتربنا أكثر من بناء مجتمع آمن، متسامح، ومتماسك. |
| الكرمل : |
| ننتقل الآن إلى الإعلام قليلاً . برنامج "على الأجندة" هو برنامج حيوي ومطلوب وناجح جداً . ألا تتوق إلى البرامج الثقافية والاجتماعية السابقة التي عملت بها في الإذاعة وهي تنقصنا الآن؟ |
| نادر أبو تامر : |
| نعم، هذا سؤال يلامس جانبًا عزيزًا عليّ. في بداية عملي الإذاعي كنت أقدم برامج ذات طابع ثقافي واجتماعي، من بينها "بستان الألحان" و**"مواقف وطرائف"**، وكنت أحرص فيهما على المزج بين الثقافة والفن والأدب، بحيث يجد المستمع محتوى ممتعًا وهادفًا في آن واحد. لاحقًا قدمت برنامجًا يوميًا بعنوان "أوراق"، وكان عبارة عن ساعة ثقافية متكاملة، نناقش خلالها قضايا الفكر والأدب والكتاب والفنون، ونستضيف شخصيات ثقافية من مختلف المجالات. كانت تلك من أجمل المراحل في مسيرتي الإعلامية. لكن مع مرور الوقت، وانتقالي إلى تقديم البرامج الآنية وبرامج الشؤون الجارية، تغيّر جزء من طبيعة عملي. أصبحت أركز أكثر على القضايا اليومية، والأحداث السياسية والاجتماعية، مع الإبقاء على مساحة ثابتة للثقافة داخل البرنامج، بينما تولى زملاء آخرون تقديم البرامج الثقافية المتخصصة. ومع ذلك، ما زلت حريصًا على ألا يغيب الجانب الثقافي عن برامجي. فعندما يصدر كتاب جديد، أو يُعرض عمل مسرحي، أو تُقام فعالية ثقافية أو فنية، فإنها تجد مكانها في البرنامج، لأنني أؤمن بأن الثقافة يجب أن تكون جزءًا من المشهد الإعلامي اليومي، لا أن تُحصر في برامج متخصصة فقط. ما يميز برنامجي أنه يجمع بين مختلف القضايا التي تهم المجتمع؛ من التعليم، والثقافة، والشأن الاجتماعي، والإنجازات العلمية، إلى قضايا العنف والجريمة، والرياضة، وسائر المستجدات اليومية. وأحرص أيضًا على تقديم فقرة يومية بعنوان "الزاوية المضيئة" أو "الوجه المشرق في مجتمعنا"، نسلط فيها الضوء على قصص النجاح والإنجازات، سواء لطالب متفوق، أو مبادرة مجتمعية، أو إنجاز علمي أو ثقافي، لأنني أؤمن بأن مجتمعنا لا يعيش على الأخبار السلبية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى نماذج إيجابية تمنح الناس الأمل، وتلهم الأجيال الجديدة. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت أحيانًا في تكريس ثقافة المظاهر والاستهلاك، وربط النجاح بالمظاهر الخارجية، من سيارات فارهة، وسفر متكرر، ومظاهر الرفاهية. وهذا، في رأيي، يفرض على الإعلام مسؤولية أكبر في تقديم نماذج مختلفة، تركز على قيم العمل، والعلم، والثقافة، والإنجاز الحقيقي، بدلًا من الاكتفاء بتسويق الصورة والمظهر. |
| الكرمل : |
| هل ما زال الإعلام العربي يحدد أجندته بنفسه، أم أصبح أسيرًا لما تفرضه منصات التواصل الاجتماعي؟ |
| نادر أبو تامر : |
| بالنسبة إليّ، لا ينبغي أن يكون الإعلام تابعًا لمنصات التواصل الاجتماعي أو أسيرًا لها. أنا، بوصفي معدًّا ومقدمًا للبرنامج، أضع أجندة الحلقة وفق ما أراه يخدم المصلحة العامة وقضايا مجتمعنا، وليس وفق ما تفرضه المنصات أو ما يتصدر قوائم التداول. هذا لا يعني أنني أتجاهل ما يجري في وسائل التواصل. فإذا برزت قضية مهمة تشغل الرأي العام، أو أثارت نقاشًا يستحق المتابعة، فمن الطبيعي أن أتناولها في البرنامج، لكن لأنها قضية ذات قيمة وتأثير، لا لأنها أصبحت "ترندًا". أنا أؤمن بأن العلاقة بين الإعلام التقليدي ووسائل التواصل يجب أن تكون علاقة تكامل لا تبعية. ينبغي أن نستفيد من سرعة هذه المنصات وانتشارها، وأن نلتقط منها القضايا الجادة التي تستحق النقاش، لكن من دون أن نفقد استقلاليتنا المهنية أو نسمح لها بأن تملي علينا أولوياتنا. وكما قلت سابقًا، مشكلتي ليست مع وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، وإنما مع المحتوى الهابط الذي يفتقر إلى القيمة. في المقابل، هناك أيضًا محتوى راقٍ ومهني يثري المعرفة ويستحق أن يُستفاد منه. لذلك، لا أدعو إلى رفض وسائل التواصل أو محاربتها، بل إلى حسن استخدامها، وانتقاء ما يفيد المجتمع منها، مع الحفاظ على دور الإعلام المهني في تقديم محتوى مسؤول، يحترم عقل الجمهور، ويعالج القضايا التي تستحق الاهتمام. |
| الكرمل : |
| هل سبق أن امتنعت عن مقابلات في موضوع قصة صحفية رغم أهميتها لأسباب مهنية أو أخلاقية؟ |
| نادر أبو تامر : |
| بصراحة، أنا من يختار الموضوعات التي أتناولها، ولذلك أشعر أن لدي مساحة واسعة من الحرية في تحديد أجندة برامجي. أختار ما أراه مهمًا ومفيدًا للمجتمع، ولا أقدم موضوعًا لا أقتنع به أو لا أراه مناسبًا. أما الحديث عن الرقابة، فأعتقد أنه مفهوم واسع وفضفاض. ربما كانت القيود في السابق أكبر مما هي عليه اليوم، لكنني أؤمن بأن أكبر رقيب على الإعلامي هو ضميره المهني. فالصحفي أو المذيع هو من يقرر ماذا يطرح، وكيف يطرحه، ولماذا يطرحه، وهذه مسؤولية لا يمكن أن يؤديها أحد نيابة عنه. بالنسبة إليّ، أحرص دائمًا على أن يكون لكل برنامج شخصية واضحة ورسالة محددة. فإذا استمع شخص إلى برامجي على مدى سنوات، أريده أن يشعر بأن هذا هو أسلوبي الحقيقي، وأن ما يسمعه يعبر عن قناعاتي المهنية والإنسانية. لذلك لا أقدم ما لا أؤمن به، ولا أتناول موضوعًا لمجرد أنه يثير الجدل أو يجذب الانتباه. ما يهمني هو أن يكون المحتوى صادقًا، ومسؤولًا، ويحترم عقل المستمع، لأن المصداقية تُبنى على التراكم، وهي رأس مال الإعلامي الحقيقي. |
| الكرمل : |
| كيف يمكن استعادة ثقة الجمهور بالإعلام في زمن الأخبار المضللة والذكاء الاصطناعي؟ |
| نادر أبو تامر : |
| اليوم أصبحت مسؤولية الإعلام أكبر من أي وقت مضى. ففي عصر الذكاء الاصطناعي بات من السهل جدًا تزوير الصور، وتحريف مقاطع الفيديو، ونسب تصريحات لم تصدر أصلًا عن أصحابها، أو نشر معلومات تبدو مقنعة وهي في الحقيقة مضللة. لذلك، أرى أن أهم ما يحتاج إليه الإعلامي والمواطن على حد سواء هو إعمال العقل، والتثبت، والتريث. ليس كل ما يصلنا صحيحًا، وليس كل ما ينتشر على وسائل التواصل يستحق أن يُنشر أو يُعاد تداوله. السباق نحو السبق الصحفي لا ينبغي أن يكون على حساب الحقيقة. للأسف، اختلطت اليوم الأمور؛ فالحابل بالنابل، والغث بالسمين. وأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر خبرًا أو معلومة خلال ثوانٍ، من دون التحقق من صحتها. أما الصحافة المهنية، فتعتمد على قواعد واضحة، أهمها التحقق من المصادر، والاستماع إلى جميع الأطراف، وعدم نشر أي معلومة قبل التأكد منها. كم من مرة رأينا أخبارًا كاذبة عن وفاة أشخاص بينما كانت عائلاتهم لا تزال تجهل ما يُتداول عنهم، أو شائعات تمس سمعة أشخاص أو مؤسسات من دون أي دليل. هذا لا يمت بصلة إلى العمل الصحفي، بل هو استهتار بمسؤولية الكلمة. أنا شخصيًا لا أنشر أي خبر قبل التحقق منه، حتى لو بدا بسيطًا. فإذا وصلتني معلومة تخص شخصًا معينًا، فمن واجبي المهني أن أتواصل معه أو مع الجهة المعنية للتأكد من صحتها، لا أن أندفع وراء السبق الإعلامي. فالمصداقية أهم بكثير من أن أكون أول من ينشر الخبر. وأعتقد أن على الجمهور أيضًا أن يتحلى بقدر أكبر من الوعي، وألا يتعامل مع كل ما يراه على الإنترنت باعتباره حقيقة. من حق الناس أن يسألوا عن المصدر، وأن يقارنوا بين الروايات، وأن يتأكدوا قبل إعادة النشر، لأن كل مشاركة لمعلومة كاذبة قد تساهم في تضليل آلاف الأشخاص. وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بأخلاقيات النشر، ولا سيما في تغطية الحوادث والجريمة. فأنا أرفض نشر الصور الصادمة أو مشاهد الضحايا التي تمس كرامة الإنسان أو تؤذي مشاعر أسرته. وأرى أن التجربة الإعلامية في كثير من الدول الأوروبية تقدم نموذجًا أكثر احترامًا للإنسان، إذ تُطمس الصور أو يُستعاض عنها بصور توضيحية تحافظ على حق الجمهور في المعرفة، من دون انتهاك خصوصية الضحايا أو إثارة مشاعر ذويهم. قد يوفر الذكاء الاصطناعي أدوات مفيدة للإعلام، لكنه في الوقت نفسه يفرض علينا مسؤولية مضاعفة في التحقق من المعلومات قبل نشرها. فالتكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لخدمة الحقيقة، لا أداة لتضليل الناس. وفي النهاية، ستبقى المهنية، وأخلاقيات العمل الصحفي، واحترام الحقيقة، هي الضمانة الأساسية لبقاء الإعلام جديرًا بثقة الجمهور. |
| الكرمل : |
| : رسالة إلى الإعلاميين الشباب وإلى الجمهور العربي. |
| نادر أبو تامر : |
| رسالتي الأولى إلى الإعلاميين الشباب هي أن يدركوا أن الصحافة ليست مجرد هاتف ذكي أو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي. ليس كل من يحمل هاتفًا يصبح صحفيًا. فالصحافة رسالة، ومسؤولية، وضمير، ومهنة لها أخلاقياتها وقواعدها. أنصح كل صحفي شاب بأن يقرأ كثيرًا، وأن يثقف نفسه باستمرار، لأن الصحفي الذي لا يقرأ ولا يطالع ولا يطور معارفه، لا يستطيع أن يقدم إعلامًا حقيقيًا. الثقافة ليست إضافة إلى العمل الصحفي، بل هي أساسه. كما أدعوهم إلى التحقق من كل معلومة قبل نشرها، والاستماع إلى جميع الأطراف، وعدم الانجرار وراء السبق الصحفي على حساب المصداقية. فليس المهم أن تكون أول من ينشر الخبر، بل أن تكون من ينشر الخبر الصحيح. وإذا كتبت خبرًا، فاكتب بحيث لا تضطر إلى حذفه أو الاعتذار عنه لاحقًا. وأوصي أيضًا بأن يكون الصحفي جريئًا، ولكن مؤدبًا. من حقه أن يطرح الأسئلة الصعبة، وأن يحاسب المسؤولين، لكن باحترام وأخلاق ومهنية. أنا شخصيًا لا أتنازل عن أي سؤال أراه مهمًا، لكنني أحرص دائمًا على أن أطرحه بأدب واحترام، لأن هدفي ليس الإساءة إلى أحد، بل الوصول إلى الحقيقة. أما الذكاء الاصطناعي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي، فأراها نعمة كبيرة إذا أحسنّا استخدامها. إنها أدوات هائلة للحصول على المعرفة وتطوير الأداء المهني، لكن ينبغي أن تبقى وسائل مساعدة، لا بديلًا عن التفكير، والتحليل، والتحقق، والمسؤولية. ولدي رسالة أخرى أعتبرها مهمة جدًا، وهي ضرورة أن يكون الإعلامي صادقًا مع نفسه ومع جمهوره، وألا يغيّر مواقفه أو لغته بحسب الجمهور الذي يخاطبه. فمن غير المقبول أن يكتب نصًا باللغة العربية يحمل رسالة، ثم يكتب باللغة العبرية رسالة مختلفة لإرضاء جمهور آخر. الموقف المهني والأخلاقي يجب أن يكون واحدًا، والكلمة التي يقتنع بها الإعلامي ينبغي أن يدافع عنها أمام الجميع، مهما اختلفت اللغة أو المنصة. وفي النهاية، أتمنى أن يحمل الجيل الجديد راية الإعلام بمسؤولية، لأننا سنغادر هذه المهنة يومًا ما، وسيواصل الشباب المسيرة من بعدنا. وأملي أن يجدوا أرضًا خصبة، وأن يبنوا إعلامًا أكثر مهنية، وأكثر صدقًا، وأكثر التزامًا بقضايا الإنسان والمجتمع. أشكركم على هذا اللقاء، وعلى الأسئلة العميقة التي أتاحت لي فرصة الحديث عن تجربتي، وآمل أن يكون فيما قدمناه ما يفيد القارئ والإعلامي والجيل القادم. |