التقينا جعفر فرح في مقر مركز "مساواة" بمدينة حيفا، وأجرينا معه حوارًا موسعًا

 
أبرز النقاط في مقابلة النائب جعفر فرح:
• نشأته في أسرة عمالية وتجربته في المدرسة الداخلية، وتأثير ذلك في اهتمامه بقضايا الفقر والتسرّب من التعليم. • بداياته في الشبيبة الشيوعية والعمل الطلابي، وانتخابه رئيسًا للجنة الطلاب العرب في جامعة حيفا ثم رئيسًا للاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب. • تعرضه للاعتقال والملاحقة والفصل المؤقت من جامعة حيفا بسبب نشاطه السياسي والطلابي. • تجربته في الصحافة بين عامي 1990 و1997، وانتقاله لاحقًا من توثيق الواقع إلى العمل المباشر على تغييره. • تأسيس مركز «مساواة» بوصفه مشروعًا جماعيًا للمرافعة عن حقوق المجتمع الفلسطيني أمام الحكومة والكنيست والمحاكم والمؤسسات الدولية. • قراره خوض الانتخابات انطلاقًا من رغبته في تحويل خبرته الحقوقية والمجتمعية إلى سياسات وقرارات عملية، والاحتكام إلى إرادة الجمهور. • مساهمة مركز «مساواة» في تحصيل آلاف الغرف الدراسية، وتطوير المناطق الصناعية، وزيادة موارد السلطات المحلية العربية. • العمل ضد قانون منع لمّ الشمل، ومواجهة عنف الشرطة، وربط آلاف البيوت العربية بشبكة الكهرباء. • رفع ميزانيات الثقافة العربية، والمساهمة في إنشاء قصور ثقافية ومراكز رفاه ومشاريع تنموية في عدد من البلدات العربية. • تأكيده أن إنجازات «مساواة» جماعية، تحققت بالشراكة مع الأهالي والسلطات المحلية وأعضاء الكنيست والمؤسسات المهنية. • ضرورة حفاظ الجمعيات العربية على استقلاليتها وشرعيتها المجتمعية، ورفض التمويل المشروط الذي يمس رسالتها أو مواقفها الحقوقية. • التمييز بين المؤسسات الحقوقية والجمعيات الخدماتية عند تقييم مصادر التمويل وشروطه. • استمرار إمكان تشكيل قائمة عربية مشتركة حتى موعد تقديم القوائم، مع ضرورة إجراء حوار جدي بين الأحزاب الأربعة. • في حال تعذر الوحدة، دعا إلى ميثاق شرف، ومنع التشهير والتحريض، والعمل المشترك لرفع نسبة التصويت، وتوقيع اتفاق فائض أصوات. • تحذيره من محاولات اليمين والليكود نشر الإحباط داخل المجتمع العربي لخفض نسبة المشاركة في الانتخابات. • تأكيده إمكان التعاون والتنسيق مع القائمة الموحدة بعد الانتخابات، لكون الأحزاب العربية تمثل المجتمع نفسه وقضاياه. • تفضيله حكومة أقلية تعتمد على أصوات النواب العرب في كل قضية، بدل دخول ائتلاف يُلزمهم بدعم قوانين قد تضر بالمجتمع العربي. • رفض المشاركة في حكومة لا تلغي قانون القومية وقانون كامينيتس وقانون منع لمّ الشمل، ولا توقف هدم البيوت. • الدعوة إلى تنظيم المجتمع الفلسطيني، بالتوازي مع بناء بديل تقدمي داخل المجتمع اليهودي يقوم على السلام والمساواة والشراكة. • انتقاده عسكرة السياسة الإسرائيلية وتحول الضباط والجنرالات إلى قيادات سياسية بصورة تلقائية. • التمسك بحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، مع تطوير صيغة تكاملية أو كونفدرالية تسمح بحرية الحركة والتعاون بين الدولتين. • التشديد على حقوق الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، وحقهم في الاحتفاظ بمواطنتهم وانتمائهم الوطني إلى الشعب الفلسطيني. • الدعوة إلى إقامة هيئات وساطة وتحكيم ولجان صلح في البلدات العربية لمعالجة النزاعات قبل تحولها إلى عنف. • التأكيد أن دور المجتمع المدني في مكافحة الجريمة لا يعفي الحكومة والشرطة من مسؤولياتهما القانونية والأمنية. • الاعتراف بوجود فجوة بين خطاب الجبهة حول المساواة وبين ضعف تمثيل النساء في المواقع المضمونة. • اقتراح ضمان تمثيل النساء في فروع الجبهة، وبناء قيادات نسائية منذ سن مبكرة، وإنشاء شبكات دعم للمرشحات. • الدعوة إلى مقاعد مضمونة أو آليات تناوب، وحوافز مالية للقوائم التي تضع النساء في مواقع انتخابية متقدمة. • تأكيده أن تحسن تعليم النساء العربيات ومشاركتهن في سوق العمل لم ينعكس بعد تمثيلًا سياسيًا وإداريًا عادلًا.

 

الكرمل :
أولاً نبارك لك انتخابك في قائمة الجبهة للكنيست. هل لك أن تعطي للجمهور نبذة عنك وعملك ونشاطك السياسي والاجتماعي الذي أوصلك لهذه المرحلة؟
جعفر فرح :
أحرص دائمًا على القول إنني أنحدر من أسرة عمالية؛ فقد كان والدي عاملًا وكانت والدتي عاملة أيضًا. وعندما مرض والدي، اضطرت والدتي إلى الخروج إلى العمل لتتمكن من إعالتنا وتربيتنا. غادرت البيت في الصف الرابع إلى مدرسة داخلية، ضمن مجموعة من الأطفال الذين أحالتهم دائرة الشؤون الاجتماعية بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة لعائلاتهم. كنا 18 طفلًا، لكن معظمهم طُردوا لاحقًا من المدرسة ولم يتمكنوا من إكمال تعليمهم. ولهذا تشغلني اليوم قضية التسرّب من المدارس. يجب ألّا نقول إن الطفل لا يلائم المدرسة، بل أن نسأل: لماذا لا تلائم المدرسة هذا الطفل؟ فالمدرسة أُنشئت لخدمة أبنائنا واحتضانهم، لا لإقصائهم. رأيت كيف شقّ بعض زملائي طريقه ونجح في تأسيس أسرة وبناء حياة كريمة، بينما فقدنا آخرين بسبب العنف أو المخدرات. وقد تركت هذه التجربة أثرًا عميقًا في شخصيتي وفي نظرتي إلى مسؤولية المجتمع تجاه أبنائه. أصرّت والدتي على أن أنخرط في نشاط الشبيبة الشيوعية، وكان عمي ناشطًا فيها أيضًا. وقد شكّلت الشبيبة بالنسبة إلينا إطارًا تربويًا واجتماعيًا مهمًا. وهناك تلقيت دروسي الأولى في العمل المجتمعي والسياسي. كنت أرافق أبا الرائد عبيد، وهو عامل بناء وناشط حزبي، في توزيع صحيفة «الاتحاد» على بيوت الناس والحديث معهم خلال الحملات الانتخابية. ومن خلاله تعلمت أن العمل السياسي والاجتماعي يبدأ من التواصل المباشر مع الناس والاستماع إليهم. خلال المرحلة الثانوية، انتُخبت رئيسًا لمجلس الطلاب. وبعد التحاقي بجامعة حيفا، توفي والدي، وكان عمري 18 عامًا، بينما كان شقيقي أمير في السابعة عشرة. وفي تلك الفترة بدأت أيضًا ملاحقتنا سياسيًا بسبب نشاطنا الحزبي والطلابي. تعرضت للاعتقال مع اثنين من زملائي بتهمة كتابة شعارات على الجدران، ثم فُصلت أنا وشقيقي من جامعة حيفا مدة نصف عام. خضنا معركة قضائية وطلابية، إلى جانب المظاهرات والاحتجاجات والمفاوضات مع إدارة الجامعة، وتمكنت من العودة إلى الدراسة، كما واصل شقيقي تعليمه. انتُخبت لاحقًا رئيسًا للجنة الطلاب العرب في جامعة حيفا، ثم رئيسًا للاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب. وجاء انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية ليضع جيلنا أمام أسئلة فكرية عميقة: أي اشتراكية نريد؟ وما مفهومنا للعدالة الاجتماعية؟ وكيف نربط النضال الوطني بالنضال الاجتماعي؟ دفعنا أثمانًا بسبب تمسكنا بهويتنا الوطنية الفلسطينية. ففي تلك السنوات، وقبل اتفاقيات أوسلو، كان رفع العلم الفلسطيني محظورًا، وتعرض كثيرون منا للاعتقال والملاحقة. وحتى عام 2018، تعرضت للاعتقال مجددًا مع أحد أبنائي، ثم اعتُقل ابني الآخر لاحقًا. لذلك، لم يكن النضال الوطني بالنسبة إلينا مجرد شعارات، بل تجربة عشناها ودفعنا ثمنها. أنتمي فكريًا إلى التيار الاشتراكي الذي يؤمن بالعدالة الاجتماعية وبحقوق العمال ورفض استغلالهم. وبعد الأزمة التي شهدها الفكر الاشتراكي في مطلع التسعينيات، انتقلت إلى مجال الصحافة. عملت صحافيًا بين عامي 1990 و1997، وأعددت تقارير وتحقيقات صحفية عديدة. كتبت في الصحافة المحلية والعربية، ومن بينها صحف «الاتحاد» و«الصنارة» و«كل العرب»، كما نشرت مواد باللغة الإنجليزية وفي صحيفة «هآرتس». وكانت تلك تجربة صحفية غنية امتدت نحو تسع سنوات. دراستي الأساسية كانت في مجال التربية، وتخصصت فترة طويلة في التوجيه الدراسي والمهني. ومنذ الصف التاسع، كنت أعمل مع الشباب، ولذلك ظل هذا المجال يرافقني في مختلف المحطات. وأسهمت مع آخرين في تأسيس جمعية للتوجيه الدراسي، كما واصلت العمل مع الطلاب والشباب من خلال الأطر الطلابية المختلفة. أما تأسيس مركز «مساواة»، فلم يكن مشروعًا فرديًا، بل ثمرة جهد جماعي لمجموعة من الناشطين الذين آمنوا بضرورة إنشاء مؤسسة تتولى المرافعة البرلمانية والقانونية والدولية عن حقوق المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. في ذلك الوقت، لم يكن مصطلح «المرافعة» متداولًا على نطاق واسع، وكنا نستخدم تعبير الضغط السياسي – Lobbying. بدأنا العمل بصورة تطوعية، ثم اقترح عليّ الزملاء أن أتولى إدارة المؤسسة. سجلنا الجمعية وبدأنا بناءها تدريجيًا. لم أتوقع يومًا أن أصبح مديرًا لمؤسسة تعمل في مجال حقوق الإنسان، لكن هذا المسار تشكّل بصورة طبيعية نتيجة التجارب التي خضتها والاحتياجات التي رأيتها في مجتمعنا.
الكرمل :
نترك المفاوضات وتفاصيلها للمفاوضين ، ولكن ما هو في رأيك الوضع الأمثل لنجاح وتأثير العمل البرلماني الذي يخدم أجندة السلام والمساواة: هل ما زال التمسك بقائمة مشتركة واسعة أم الذهاب بقائمتين ؟
جعفر فرح :
قبل الإجابة عن شكل القوائم، أعتقد أن علينا أن نطرح سؤالًا أكثر جوهرية: ما هي المهمة الأهم في الانتخابات المقبلة؟ بالنسبة إليّ، الجواب واضح، وهو منع استمرار الحكومة الفاشية الحالية في الحكم. هذه هي الأولوية التي يجب أن تتقدم على أي خلاف آخر. في الماضي، كان الجيل السابق يتحدث عن أن معركتنا الأساسية هي معركة البقاء. وكنت أظن أننا تجاوزنا تلك المرحلة، لكن التطورات الأخيرة دفعتني إلى إعادة التفكير في هذا المفهوم. برأيي، يصبح خطر البقاء حقيقيًا عندما تجتمع عدة عوامل معًا: أن تكون الحكومة معادية لوجودنا، وأن تنزلق مؤسسات الدولة الأمنية نحو التطرف، وأن تتصاعد المواقف العدائية داخل المجتمع اليهودي، مع غياب شريك سياسي قادر على مواجهة هذا الواقع. للأسف، نحن نشهد اليوم مؤشرات مقلقة. فهناك حكومة يقودها اليمين المتطرف، ومؤسسات أمنية يشغل مواقع مؤثرة فيها أشخاص يحملون أفكارًا متشددة، إلى جانب استطلاعات رأي أظهرت ارتفاعًا كبيرًا في نسبة اليهود الذين يؤيدون سياسات متطرفة بحق المواطنين العرب، فضلًا عن اتساع ظاهرة تسليح المدنيين. كل هذه المعطيات تجعل المرحلة الحالية استثنائية وتتطلب قراءة مختلفة. من هنا، أرى أن وحدة الصف العربي ليست مجرد شعار، بل ضرورة سياسية. صحيح أن لدينا خلافات حقيقية مع بعض القوى السياسية، ومنها الحركة الإسلامية الجنوبية، لكن علينا أن نحدد ما هو التناقض الرئيسي وما هو التناقض الثانوي. فالتحدي الأكبر اليوم هو منع استمرار هذا الائتلاف الحاكم، وهذا يستدعي أوسع قدر ممكن من الوحدة. ولهذا السبب، ومنذ سنوات، أصبحت من المؤيدين لإعادة بناء قائمة عربية موحدة، لأنها، في تقديري، الخيار الأكثر قدرة على رفع نسبة التصويت، وتعزيز التمثيل العربي، وزيادة فرص التأثير السياسي. أما إذا تعذر التوصل إلى قائمة واحدة بسبب الخلافات السياسية، فأرى أن البديل الأفضل هو خوض الانتخابات بقائمتين منسقتين، مع الحفاظ على التعاون والتنسيق بينهما، وتجنب الصراعات الداخلية، بحيث يبقى الهدف المشترك واضحًا: تعظيم التمثيل العربي، ومنع استمرار الحكومة الحالية، والدفاع عن قضايا مجتمعنا وحقوقه. وأود أن أضيف نقطة أراها بالغة الأهمية. فحتى إذا نجحنا في إسقاط هذه الحكومة، فهذا لا يعني أن الفاشية قد انتهت أو أن الخطر زال. فإسقاط الحكومة هو بداية الطريق، وليس نهايته. في علم السياسة هناك ما يُعرف بنظرية "الأرجوحة"؛ أي أن انتقال المشهد السياسي إلى أحد الطرفين بشكل حاد قد يؤدي، في الانتخابات اللاحقة، إلى ارتداد حاد نحو الطرف المقابل. وقد رأينا مثل هذه الظواهر في تجارب سياسية مختلفة حول العالم. وفي الحالة الإسرائيلية، أعتقد أن هذا الاحتمال قائم أيضًا. فحتى لو سقطت حكومة نتنياهو وحلفائه، فإن وجود بيئة مشحونة، وانتشار السلاح بين أوساط اليمين المتطرف، ووجود ميليشيات مدنية مسلحة، قد يفتح الباب أمام توترات وأعمال عنف، خصوصًا إذا جاءت الحكومة البديلة ضعيفة أو غير منسجمة داخليًا. كما أن اليمين قد يستغل أي إخفاق أو حالة عدم استقرار ليعيد تقديم نفسه باعتباره البديل الوحيد القادر على الحكم، الأمر الذي قد يمكنه من العودة إلى السلطة بقوة أكبر، وبشرعية شعبية أوسع. لذلك أقول إن الانتصار على الفاشية لا يقتصر على إسقاط حكومة بعينها، بل يتطلب عملًا سياسيًا ومجتمعيًا طويل النفس، يرسخ قيم الديمقراطية، ويحمي المؤسسات، ويمنع إعادة إنتاج الخطاب المتطرف. فالمعركة الحقيقية لا تنتهي بتغيير الحكومة، وإنما تبدأ بعد ذلك، من خلال بناء واقع سياسي يمنع عودة الفاشية مرة أخرى. بين عامي 2011 و2012، خرجت في إجازة من مركز «مساواة» وشاركت في العمل على إنقاذ قناة «هلا»، ثم في تأسيس قناة «مساواة». وبعد أن استقرت القناتان، تركت العمل التلفزيوني وعدت إلى مركز «مساواة»، لأنني أميل أكثر إلى العمل المجتمعي والكلمة المكتوبة. كل هذه المحطات، من تجربة الأسرة العمالية والمدرسة الداخلية، مرورًا بالنشاط الطلابي والاعتقالات والصحافة، وصولًا إلى العمل الحقوقي والإعلامي، أسهمت في تشكيل رؤيتي السياسية والاجتماعية. واليوم أرى أن الوقت قد حان لنقل هذه الخبرة إلى العمل البرلماني، والاحتكام إلى إرادة الجمهور، ومحاولة تحويل الأفكار والمطالب التي دافعنا عنها طوال سنوات إلى سياسات وقرارات عملية. قد يمتلك الإنسان الإمكانات والخبرة والرصيد المهني، لكن ذلك لا يعني أن الناس ستمنحه ثقتها فورًا. بناء الثقة يحتاج إلى وقت، وعلى المرء أن يسير بتدرّج وألّا يقفز فوق المراحل. أنا أعتبر نفسي آتيًا من الأسفل إلى الأعلى، لا من الأعلى إلى الأسفل؛ من القاعدة الشعبية، ومن جسر الزرقاء والعراقيب والنقب، ومن الناس وقضاياهم اليومية. ومن أهم ما تعلمته أن التغيير لا يتحقق بين ليلة وضحاها؛ فتقدّم المجتمعات يحتاج إلى وقت وصبر ونَفَس طويل، وهذا النَّفَس موجود لدينا.

الكرمل :
ما الذي دفعك إلى اتخاذ قرار خوض الانتخابات والترشح للكنيست في هذه المرحلة؟
جعفر فرح :
هذا سؤال جوهري؛ لأنه السؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه: هل ينبغي لي أن أخوض هذه التجربة أم لا؟ عندما تشكلت القائمة المشتركة عام 2015، شعرت بسعادة كبيرة بوجود شخصيات مثل أيمن عودة ويوسف جبارين وعايدة توما سليمان، فهم زملاء عملنا معهم سنوات طويلة، وكان بيننا قدر كبير من التوافق في تحليل الواقع وفي آليات العمل. لكن خلال السنوات العشر الأخيرة، ترسخت لديّ قناعة بأن الوقت قد حان كي أتوقف عن الاكتفاء بإخبار الآخرين بما يجب فعله، وأن أحاول القيام به بنفسي. فمن خلال موقعي في مركز «مساواة»، كان بإمكاني تقديم الاقتراحات بشأن ميزانية الدولة والقوانين والسياسات المطلوبة، لكنني لم أكن دائمًا راضيًا عن طريقة تنفيذها. ولديّ تجربتي ومقترحاتي ومشاريعي التي أؤمن بإمكان تطبيقها. مررت في حياتي بمراحل عدة. كانت البداية في العمل الطلابي، عندما كنت ناشطًا في لجنة الطلاب العرب ورئيسًا للاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب. كانت تلك مرحلة احتجاجية نطرح فيها مطالب الطلاب ونسعى إلى تحقيقها، مثل توفير مساكن الطلبة وخطوط المواصلات. بعد ذلك، انتقلت إلى الصحافة، وعملت فيها بين عامي 1989 و1997. كانت الصحافة بالنسبة إليّ وسيلة لتوثيق الواقع والحديث عما يحدث. وفي عام 1997، وقعت مواجهات في إحدى القرى، وقضيت الليل أتابع الأحداث وسط قنابل الغاز المسيل للدموع. وفي اليوم التالي، عندما وصلت إلى الصحيفة، طلب مني المحرر أن أضع الصور والمادة على الطاولة وأن يكتب شخص آخر التقرير. وضعت جهاز النداء الخاص بي على الطاولة وقلت له: «أنا مستقيل». شعرت آنذاك بأن الوقت قد حان كي أنتقل من مجرد توثيق الواقع إلى محاولة تغييره وصناعة المستقبل. مع ذلك، ما زلت مؤمنًا بأن للصحافة أهمية مركزية؛ فهي تخلق مساحة للنقاش والحوار داخل المجتمع، والصحافة القوية تسهم في بناء مجتمع قوي. وبعد هذه المرحلة، عملت في مركز «مساواة» وأطلقت مبادرات إعلامية ومحطات تلفزيونية، لأنني بطبيعتي شخص مبادر. وصلت اليوم إلى قناعة بأنه لا يكفي أن نقول للآخرين ما الذي ينبغي فعله. إذا كنت تمتلك الخبرة وتعتقد أنك تعرف كيف يمكن تغيير الواقع، فعليك أن تتقدم وتحاول تطبيق أفكارك بنفسك. لكن الأمر لا يقتصر على المبادرة والعمل؛ بل يجب أيضًا العودة إلى إرادة الناس والاحتكام إليها. كانت آخر انتخابات خضتها في عامي 1988–1989، عندما ترشحت لرئاسة الاتحاد القطري للطلاب العرب. واليوم أريد أن أعود إلى الجمهور وأقول له: أريد أن أحاول تغيير الواقع الذي نعيشه والمستقبل الذي ينتظرنا، وأطلب ثقتكم ودعمكم. إذن، يقوم القرار على أمرين: الأول أن أكون مستعدًا لتحمل المسؤولية والعمل بصورة تستجيب لاحتياجات الناس، والثاني أن أحتكم إلى إرادتهم. كنا في مركز «مساواة» ننظم المؤتمرات ونتشاور مع الجمهور بشأن المكانة القانونية للمواطنين العرب وميزانية الدولة وغيرها من القضايا، لكن العمل في المجتمع المدني لا يقوم على الانتخابات. أما في السياسة، فإن الناس يصوتون ويقررون بأنفسهم. أثبت المجتمع الفلسطيني في إسرائيل مرارًا أنه يستخدم صوته للتعبير عن إرادته السياسية. فقد منح الجمهور العربي ثقته لإيهود باراك وللأحزاب السياسية في انتخابات أواخر التسعينيات، ثم استخدم المقاطعة وسيلة احتجاج في انتخابات عام 2001. وعندما طالب بتشكيل القائمة المشتركة، كان يوجّه رسالة واضحة إلى القيادات السياسية: نريد منكم أن تتوحدوا. لذلك، يجب على القيادة أن تصغي إلى الجمهور، لا أن تكتفي بحضور الأعراس والجنازات والمناسبات الاجتماعية. المطلوب هو فهم ما يقوله الناس وما يريدونه، ثم تحويل إرادتهم إلى سياسات وقرارات. أعتقد أن لديّ القدرة على الإصغاء إلى إرادة الناس وترجمتها سياسيًا. وفي المرحلة المقبلة، أريد أن أخاطب الجمهور وأستمع إليه أكثر مما كنت أفعل خلال عملي في المجتمع المدني، وأن أحتكم في نهاية المطاف إلى صوته وقراره.

الكرمل :
حدثنا عن مؤسسة "مساوة" ، بماذا ساهمت وما هي أكبر إنجازاتها ؟
جعفر فرح :
بصراحة، يميل كثيرون إلى نسب إنجازات جماعية إلى أنفسهم، لكنني أرى أن إنجازات مركز «مساواة» لم تكن يومًا إنجازات فردية أو حصرية للمركز، بل ثمرة تعاون مع لجان الأهالي والسلطات المحلية وأعضاء الكنيست والمؤسسات المهنية والناشطين والمواطنين أصحاب القضايا. فعندما أزور مدينة اللد وأشاهد مدرسة جديدة أو قاعة رياضية بميزانية مليونية، أعرف أننا أسهمنا في تحصيلها، لكنني لا أستطيع القول إن «مساواة» حقق ذلك بمفرده؛ فقد كانت هناك لجنة أهالٍ وبلدية وشخصيات محلية شاركت في العمل. أسهمنا، بالتعاون مع لجنة متابعة قضايا التعليم والسلطات المحلية والجهات المختصة، في تحصيل نحو عشرة آلاف غرفة دراسية للقرى والمدن العربية. عندما بدأنا العمل، كانت مدارس عربية كثيرة تعتمد على الغرف المتنقلة، ولذلك جعلنا قضية الأبنية المدرسية جزءًا أساسيًا من عملنا أمام الوزارات والكنيست. وفي مجال التطوير الاقتصادي، أدخل المركز إلى الخطاب العام لغة اقتصادية جديدة، تقوم على تطوير مصادر الدخل الذاتي للسلطات المحلية العربية. عملنا على الدفع نحو إقامة مناطق صناعية وتجارية في عدد من البلدات، ومنها كفر قاسم وأم الفحم. لم يُنشئ مركز «مساواة» المنطقة الصناعية في كفر قاسم بمفرده؛ فالبلدية والوزارات والجهات المحلية أدت أدوارها. لكننا اصطحبنا الوزراء وأعضاء الكنيست إلى المنطقة، وشرحنا لهم أن المدينة تمتلك قدرات اقتصادية وتجارية أكبر بكثير، وأن تطوير المنطقة الصناعية سيزيد إيرادات البلدية. واليوم تجني بلدية كفر قاسم أكثر من 30 مليون شيكل سنويًا من هذه المنطقة. كما خضنا، منذ عام 2003، نضالًا متواصلًا ضد قانون منع لمّ شمل العائلات الفلسطينية. رافقنا الأسر إلى جلسات الكنيست ونظمنا الاحتجاجات، بينما واصل زملاؤنا المسار القضائي أمام المحاكم. لم ننجح في إزالة الألم كله، لكننا أبقينا القضية حاضرة وواجهنا آثار القانون على آلاف العائلات. وفي ملف عنف الشرطة، كان لمقتل 13 مواطنًا عربيًا خلال أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2000 أثر بالغ في تحديد مسار عملنا. خضنا نضالًا طويلًا ومؤلمًا ضد إفلات عناصر الشرطة من المحاسبة. لا أستطيع القول إن عنف الشرطة انتهى، لكن هذا العمل أسهم في تقليصه وفي تعزيز الوعي بضرورة ملاحقة المعتدين. تعرضت شخصيًا لاعتداء شرطي عام 2018، وتابعت القضية ثلاثة أعوام. أعرف من تجربتي وتجربة عائلتي مقدار الألم والإرهاق النفسي الذي يواجهه ضحايا العنصرية والعنف وهم يتنقلون بين المحاكم، ويشاهدون المعتدي ينكر ما فعله أمامهم. وفي إحدى القضايا التي رافقناها، استمر المسار القضائي ثلاثة أعوام، وانتهى بإدانة الشرطي المعتدي. وحتى اليوم ما زالت عائلة الضحية تعاني آثار ما حدث. ومن الإنجازات المهمة أيضًا العمل على ربط البيوت العربية بشبكة الكهرباء. بدأنا هذا المسار منذ عامي 1999 و2000، بالتعاون مع المحامية راجية أبو عقل، التي عملت في المركز، وعقدنا اجتماعات مع شركة الكهرباء للمطالبة بربط نحو 11 ألف منزل محروم من الكهرباء. وواصلنا تقديم المقترحات ومتابعة التشريعات حتى عام 2014. كما قدمنا التماسًا ضد وزارة الثقافة عندما كانت ميزانية الثقافة العربية لا تتجاوز 11 مليون شيكل سنويًا. وبفضل العمل القضائي والمرافعة البرلمانية، ارتفعت الميزانية إلى نحو 50 مليون شيكل. وهذا أيضًا إنجاز جماعي شارك فيه أعضاء كنيست، ومن بينهم الدكتور أحمد الطيبي من خلال لجنة المالية، إلى جانب العاملين في وزارة الثقافة ومنتدى جمعيات الثقافة العربية. وقد أتاح رفع الميزانية فرص عمل جديدة، ووسّع إمكانات الإنتاج الفني والثقافي داخل المجتمع العربي. واليوم، عندما أزور قصرًا ثقافيًا في كفر قرع أو في بلدة عربية أخرى، وأرى القاعة ممتلئة وعيون الأطفال تلمع وهم يشاهدون عرضًا مسرحيًا في مكان لائق، أدرك قيمة هذا العمل. في الماضي، كان الأطفال يشاهدون العروض المتنقلة تحت الشمس، أما اليوم فهناك عدد من قصور الثقافة التي توفر لهم فضاءً محترمًا وآمنًا. لكن بناء قصر ثقافي لا يتحقق بقرار جهة واحدة؛ فالوزارة تخصص الميزانية، والمجلس المحلي يقدم الخرائط والأرض والمخططات، ثم يجب أن تتوافر إدارة مهنية تُشغّل المكان وتملؤه بالنشاط. الإنجاز الحقيقي ليس في تشييد المبنى فقط، بل في تحويله إلى مؤسسة حية تخدم الناس. الأمر نفسه ينطبق على مشاريع الرفاه الاجتماعي. فعندما افتُتح مركز حديث للخدمات الاجتماعية في جسر الزرقاء، إلى جانب أربع حضانات يومية، رأيت مبنى يحترم المواطنين المحتاجين إلى الخدمات، ويوفر أيضًا إمكان الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة. هذه التفاصيل تعكس احترام الإنسان وكرامته. وفي قرية المزرعة، تابعت منذ عامي 2014 و2015 مسيرة تطوير واسعة شملت مشاريع بمئات ملايين الشواكل. وعندما دعاني رئيس المجلس فؤاد عوض إلى افتتاح أحد المشاريع، شعرت بأن سنوات العمل والمتابعة تحولت إلى واقع ملموس يستحق الاعتزاز. ومن القضايا التي أعتز بها أيضًا منع هدم قرية الصيادين في جسر الزرقاء عام 2014. عملنا مع الأهالي والمجلس المحلي والناشطة حمامة جربان، وتوجهنا إلى المحاكم لمواجهة مخطط الهدم. لكن الإنجاز بدأ من السكان أنفسهم، الذين تمسكوا بحقهم في المكان وقرروا الدفاع عنه. هذه مجرد نماذج من عمل مركز «مساواة». قد يبدأ العمل بأرقام وميزانيات وخرائط وجلسات في الكنيست أو المحاكم، ثم يتحول بعد سنوات إلى مدرسة أو منطقة صناعية أو قصر ثقافي أو مركز رفاه أو بيت موصول بالكهرباء. عندها ندرك أن العمل المهني والمثابرة والشراكة مع الناس تستطيع إحداث تغيير حقيقي

الكرمل :
عندما يتحدث البعض عن الجمعيات العاملة في المجتمع العربي يطرحون دائماً السؤال المشكك : ما هو مصدر تمويلها ؟ ويشككون دائماً بأن المصادر هي من جهات صهيونية. هل من المفروض على جمعية عربية أن ترفض تمويلاً من "الصندوق الجديد لإسرائيل" أو "مبادرات إبراهيم" مثلاً أم أن بإمكانها أن تسعى لكل تمويل ممكن لخدمة المجتمع العربي ؟
جعفر فرح :
لا أريد أن أضع نفسي في موقع من يحاكم المؤسسات الأخرى، ولذلك سأتحدث عن تجربة مركز «مساواة» ومبادئه. قررت إدارة المركز، على سبيل المثال، عدم تقديم طلبات تمويل إلى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، رغم أن جمعيات عربية وأخرى عربية–يهودية تحصل على دعم منها. وهذا قرار يعود إلى إدارات تلك المؤسسات، وهي المسؤولة عن تقييم مصادر تمويلها. السؤال الأساسي الذي يجب على كل جمعية طرحه هو: كيف يؤثر التمويل في عملنا اليومي وفي مواقفنا وأولوياتنا؟ من المعروف أن بعض الجهات المانحة تفرض شروطًا، والمسألة الحاسمة هي ما إذا كانت المؤسسة قادرة على رفض الشروط التي تتعارض مع رسالتها. ما يميز مركز «مساواة» هو شرعيته داخل المجتمع العربي، وهذه الشرعية مهمة جدًا. فقد تمتلك جمعية ما ملايين الشواكل، لكنها تخسر ثقة جمهورها وشرعيتها المجتمعية. وإذا بدأ الناس يتساءلون عن سبب حصول المؤسسة على الأموال من جهة معينة، فعليها أن تأخذ هذه التساؤلات بجدية، لأن المؤسسة وجدت أصلًا لخدمة مجتمعها. مصادر تمويلنا محدودة، في حين تستطيع مؤسسات أخرى الوصول بسهولة أكبر إلى مصادر متنوعة. بعض الصناديق تفرض شروطًا لا يستطيع مركز «مساواة» قبولها؛ ولذلك هناك جهات لا نتقدم إليها بطلبات تمويل، كما أن بعضها لن يمولنا أصلًا بسبب مواقفنا. من الصعب أن تحافظ المؤسسة على قدرتها على رفض الشروط، خصوصًا في ظل الضائقة المالية التي تعانيها الجمعيات العربية. فبحسب المعطيات المتوافرة لدينا، لا تحصل المؤسسات العربية إلا على نحو 2% من الميزانيات الحكومية المخصصة للجمعيات. مع ذلك، نجح طاقم مركز «مساواة» وإدارته، طوال نحو 25 عامًا، في مواصلة العمل بميزانيات محدودة، وفي الحفاظ على احترام المؤسسة ومصداقيتها، لأنها لا تقبل جميع أنواع التمويل ولا توافق على شروط تتعارض مع مبادئها. عندما تعمل مؤسسة حقوقية على قضايا مثل التمييز ضد المواطنين العرب والسياسات العنصرية، لا يمكنها قبول تمويل مشروط بإنكار وجود العنصرية أو الامتناع عن انتقادها. فما الجدوى من التمويل إذا كان سيمنع المؤسسة من معالجة القضية التي تأسست من أجلها؟ لكن يجب أيضًا التمييز بين مؤسسات المرافعة الحقوقية والجمعيات الخدماتية. فإذا كانت جمعية تقدم خدمة عينية للأطفال في ضائقة أو للأشخاص ذوي الإعاقة، وحصلت على تمويل لبناء مركز أو تنفيذ برنامج من دون أن تُملى عليها أولويات سياسية أو فكرية، فلا أرى مشكلة مبدئية في قبوله. وينطبق ذلك أيضًا على التمويل الحكومي أو تمويل مؤسسة التأمين الوطني؛ فهذه ليست منّة، بل أموال عامة ساهم المواطنون العرب فيها من خلال الضرائب ورسوم التأمين. ومن حق مجتمعنا أن يستفيد منها. المعيار ليس هوية الجهة الممولة وحدها، بل طبيعة الشروط المرافقة للتمويل ومدى تأثيرها في استقلالية المؤسسة ورسالتها. المطلوب هو الحفاظ على توازن واضح بين خدمة المجتمع، والمنطق الحقوقي، والاستقلالية، وشروط التمويل.

الكرمل :
تقول جميع الاستطلاعات أن الجمهور العربي يفضل قائمة مشتركة واسعة . هل انتهى هذا الحلم نهائياً أم أنه ما زال ممكناً حتى موعد تسليم القوائم ؟
جعفر فرح :
من خلال حواراتي مع مركّبات القائمة المشتركة ومع قيادات القائمة العربية الموحدة، أعتقد أن المجال ما زال مفتوحًا، وأن هناك إمكانات قد نشهد تطورها خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك العلاقة بين أحزاب المشتركة والموحدة. يرتبط موقف الموحدة أيضًا بالتطورات داخل الأحزاب اليهودية الكبرى. فهي تتابع استطلاعات الرأي في المجتمع اليهودي، وتفحص قوة غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وغيرها من القوى السياسية، ولذلك تدعو جمهورها حاليًا إلى الانتظار. وفي الوقت نفسه، يوجد داخلها تيار يفضّل خوض الانتخابات بصورة مستقلة. أعتقد أن الوقت ما زال متاحًا حتى موعد تقديم القوائم لإجراء حوار جدي بين الأحزاب العربية الأربعة، على أمل التوصل إلى قائمة مشتركة. وإذا تعذر ذلك، فعلينا الاتفاق على ثلاث قضايا أساسية: • العمل المشترك لرفع نسبة التصويت وتشجيع المواطنين على المشاركة في يوم الانتخابات. • إدارة حملة انتخابية من دون تشهير أو تحريض أو تبادل للاتهامات بين الأحزاب العربية. • توقيع اتفاق لتبادل فائض الأصوات، بما يمنع ضياع أصوات الناخبين ويعزز التمثيل السياسي للمجتمع العربي. إذا كنا قادرين على التفاوض بشأن قائمة رباعية مشتركة، فمن المؤكد أننا نستطيع التوصل، في الحد الأدنى، إلى تفاهمات حول هذه القضايا الثلاث. ومن شأن ذلك أن يساعدنا على تحقيق أفضل تمثيل سياسي ممكن للمجتمع العربي. ما يحدث داخل المجتمع العربي لا يبقى محصورًا فيه، بل يؤثر أيضًا في الصراع السياسي داخل المجتمع اليهودي. فاليمين يستغل الخلافات العربية، كما يستطيع معسكر المعارضة الاستفادة من ارتفاع المشاركة السياسية لدى المواطنين العرب. لا يحتاج اليمين بالضرورة إلى الحصول على أصوات عربية؛ إذ يكفيه أن ينجح في إحباط الناس ودفعهم إلى الامتناع عن التصويت. ويستخدم الليكود واليمين عمومًا شبكات التواصل الاجتماعي لنشر الشك والإحباط داخل المجتمع العربي، بهدف خفض نسبة المشاركة. لذلك، يشكل رفع نسبة التصويت مسألة استراتيجية، حتى لو اختار بعض الناخبين العرب التصويت لأحزاب معارضة يهودية بدلًا من الأحزاب العربية الأربعة. المهم أن يشاركوا وألّا تذهب أصواتهم إلى القوى التي تدعم استمرار اليمين والاحتلال وسياسات الحكومة الحالية. يدرك اليمين الإسرائيلي أن المجتمع العربي هو العمود الفقري لأي معسكر قادر على استبداله. ولهذا فإن هدفه لا يقتصر على كسب أصوات عربية، بل يتمثل أساسًا في خلق حالة من اليأس والإحباط تؤدي إلى انخفاض نسبة التصويت. ومواجهتنا الأساسية لذلك تكون بالوحدة، أو على الأقل بالتنسيق ورفع المشاركة ومنع ضياع الأصوات.
الكرمل :
تحدث محمد علي طه عن ميثاق شرف واتفاق فائض أصوات مع الموحدة. هل هذا ممكن؟ وهل من الممكن أيضًا وجود تعاون وتنسيق سياسي أو برلماني بعد الانتخاباتمع الموحدة؟
جعفر فرح :
بالتأكيد سيكون هناك حوار وتنسيق؛ فنحن نمثل المجتمع نفسه ونتعامل مع القضايا والتحديات ذاتها. ولا أريد أن ندخل في صراع بين الأحزاب العربية، كما أن جمهورنا لا يريد ذلك. في الأنظمة الديمقراطية، تخوض الأحزاب الانتخابات عادة بهدف المشاركة في الحكومة. لكن وضعنا غير طبيعي؛ فنحن نشارك في الانتخابات، ثم نجد صعوبة في الانضمام إلى ائتلاف حكومي بسبب وجود قوانين وسياسات تمييزية شاركت أحزاب المعارضة اليهودية نفسها في سنّ بعضها، مثل قانون القومية، وقانون المواطنة ومنع لمّ شمل العائلات، وقانون كامينيتس. لا يمكننا تجاهل هذه القوانين عند الحديث عن المشاركة في الحكومة. كما لا نستطيع، بصفتنا نوابًا، الالتزام بالتصويت لمصلحة كل مشروع تقدمه الحكومة. ولا يمكنني أن أكون شريكًا في حكومة لا تلغي قانون القومية وقانون كامينيتس، ولا توقف سياسة هدم البيوت. هناك من يعتقد أن دخول الحكومة قد يخدم القضية الفلسطينية والمجتمع العربي داخل إسرائيل. أحترم هذا الرأي، لكنني أعتقد أنه غير صحيح في المرحلة الحالية. الأفضل، في تقديري، أن تعتمد الحكومة المقبلة على أصوات النواب العرب في كل قضية على حدة، بدلًا من الانضمام إليها والالتزام بجميع قراراتها. فإذا امتلك معسكر المعارضة 55 مقعدًا، وكان للعرب ستة مقاعد حاسمة، فستضطر الحكومة إلى التفاوض معهم قبل تمرير الميزانية أو أي قانون. أما إذا دخلوا الائتلاف، فسيصبحون ملتزمين بالانضباط الحكومي، حتى عندما تُطرح قوانين تمس مجتمعهم. وقد رأينا إشكالية هذا النموذج خلال تجربة حكومة بينيت–لبيد، وخصوصًا في النقاش حول قانون المواطنة الذي يمس عشرات آلاف العائلات العربية. في المقابل، كانت تجربة حكومة الأقلية في عهد إسحاق رابين، ثم شمعون بيريس، أكثر فاعلية. لم تكن الحكومة تمتلك أغلبية من دون أصوات النواب العرب، ولذلك كانت مضطرة إلى التفاوض معهم بشأن القوانين والميزانيات والاستجابة لمطالب المجتمع العربي. هذا النموذج يمنحنا تأثيرًا أكبر، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال والصراع مع الشعب الفلسطيني. المطلوب اليوم ليس فقط ترتيب العلاقة بين الأحزاب العربية، بل طرح مشروع سياسي ديمقراطي جديد ينقذ الفلسطينيين واليهود من دائرة الموت والدمار. فقد أدى غياب مشروع سلام واضح لدى الأحزاب اليهودية إلى تعزيز سيطرة اليمين على الشارع الإسرائيلي. علينا أن نتعلم من تجربة الجبهة في سبعينيات القرن الماضي. فهي لم تكتفِ بتنظيم المجتمع العربي والدفاع عن الأرض، بل توجهت أيضًا إلى مجموعات يهودية مهمّشة وغاضبة، مثل الفهود السود، وضمت شخصيات بارزة من بينها تشارلي بيطون. وفي الوقت نفسه، حاول الليكود استثمار غضب اليهود الشرقيين على المؤسسة الحاكمة. اليوم أيضًا توجد فئات داخل المجتمع اليهودي تعاني الإحباط، من اليهود الشرقيين والحريديم والمهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي السابق وغيرهم. وينبغي للقوى التقدمية أن تخاطب هذه الفئات ببديل اجتماعي وسياسي حقيقي، بدل تركها لليمين المتطرف. نجحنا في الانتخابات المحلية الأخيرة في منع اليمين الفاشي من السيطرة على عدد من البلديات. لدينا نائب رئيس بلدية شيوعي في نوف هجليل حيث تضم نسبة كبيرة من المهاجرين الروس، ونائب رئيس بلدية عربي في حيفا، وآخر في عكا. وهذا يثبت أن العمل العربي–اليهودي المنظم قادر على إحباط مشاريع اليمين. مهمتنا تبدأ بتنظيم المجتمع الفلسطيني ورفع نسبة التصويت، لكنها لا تنتهي عند ذلك. لن نستطيع تحقيق تغيير جذري إذا لم نعمل أيضًا داخل المجتمع اليهودي، ونساعد على بناء بدائل تقدمية تواجه مشروع الحرب والعنصرية. نحن نلتقي بالمجتمع اليهودي يوميًا في الجامعات والمستشفيات وأماكن العمل. لذلك، يجب ألّا نستسلم لفكرة استحالة التغيير. علينا تنظيم مجتمعنا، وفي الوقت نفسه مخاطبة الشارع اليهودي بمشروع عقلاني يقوم على السلام والمساواة والحياة المشتركة. لكن إذا استمرت أحزاب المعارضة اليهودية في استخدام لغة نتنياهو العسكرية نفسها، من القصف والحرب والتهديد، فسيبقى الشارع الإسرائيلي أسير اليمين الفاشي. ولهذا نحتاج إلى قيادة يهودية شجاعة تطرح بديلًا حقيقيًا لمشروع الحرب، وإلى شراكة عربية–يهودية تساعدها على بناء هذا البديل. عندما يتحدث معسكر المعارضة أيضًا باللغة العسكرية ذاتها، من قصف إيران والطائرات المسيّرة والحروب المتواصلة، يبقى الشارع الإسرائيلي خاضعًا لسيطرة اليمين الفاشي. لذلك، لا ينبغي لنا الاكتفاء بتنظيم المجتمع الفلسطيني، بل علينا طرح مشروع سياسي تحرري يحرّر المواطن اليهودي أيضًا من «الغيتو» النفسي والسياسي الذي بُني حوله؛ غيتو قائم على الخوف الدائم والشعور بأن العالم كله يتربص به. يُقال للإسرائيلي إن عليه عندما يذهب إلى الولايات المتحدة أن يحذر من إيران، وإنه لا يستطيع التفكير في إمكان العيش بسلام مع إيران أو العراق أو بقية المنطقة. وهكذا تحوّل الصراع مع الشعب الفلسطيني في الوعي الإسرائيلي إلى حالة عداء مع المنطقة العربية والإقليم بأكمله. علينا أن نطرح بديلًا يقول إن الأمن لا يتحقق بالقتل والحروب الدائمة، بل بالاندماج في المنطقة وبناء علاقات قائمة على الاعتراف المتبادل والسلام. كما يجب مواجهة عسكرة السياسة الإسرائيلية، بما في ذلك داخل اليسار. فسيطرة العسكريين على الحياة السياسية تشكل مشكلة حقيقية. نحن نتحدث عن دولة مدنية، لكن الضابط ما إن ينهي خدمته العسكرية حتى يتحول إلى وزير أو عضو كنيست أو مرشح لقيادة الدولة. مع أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين لا تخدم في الجيش، فإن الأحزاب تواصل تقديم الجنرالات والضباط السابقين بوصفهم الأكثر أهلية للقيادة، مثل يائير غولان وغيره. لذلك، علينا بناء سياسة مدنية لا تقيس قدرة الإنسان على القيادة وفق رتبته العسكرية، بل وفق رؤيته الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية وقدرته على تحقيق السلام.

الكرمل :
الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة تطرح منذ سنوات حل الدولتين وإنهاء الاحتلال كحل سياسي للصراع. لكن في ظل الواقع الحالي، من توسع الاستيطان، وضعف فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ما هو البرنامج العملي للجبهة لتحقيق هذا الحل؟ وما هي الخطوات السياسية التي تعتقدون أنها قادرة على نقله من شعار إلى مشروع قابل للتنفيذ؟
جعفر فرح :
في ظل فرض واقع الدولة الواحدة من جانب اليمين والحكومات الإسرائيلية، علينا التمسك بحل الدولتين. فهذا ليس مجرد شعار عادل تجاه الشعب الفلسطيني، بل تعبير عن اعتراف دولي بحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، ولا يجوز التنازل عن هذا الاعتراف، خصوصًا في المرحلة الحالية. تنتقد إسرائيل حركات التضامن الدولية عندما ترفع شعار «من النهر إلى البحر»، لكن مَن يفرض عمليًا السيطرة من البحر إلى النهر هو الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون، من خلال الاحتلال والاستيطان وضم الأراضي. في ظل هذا الهجوم على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، تكتسب الساحة الدولية أهمية أكبر من الساحة المحلية. يجب ألّا نخلق حالة من الالتباس تسمح للمجتمع الدولي بالتنصل من القضية الفلسطينية، خصوصًا مع وجود أصوات عربية وأوروبية تقول إنها سئمت هذا الملف. علينا إبقاء المجتمع الدولي ملتزمًا بحل الدولتين وبإقامة دولة فلسطينية مستقلة. في الوقت نفسه، ندرك أن الواقع الذي أنشأته إسرائيل على الأرض جعل تطبيق الصيغة التقليدية لحل الدولتين بالغ الصعوبة. وعندما تبدأ مفاوضات جادة، سنكون مضطرين إلى تطوير رؤية أكثر واقعية وإبداعًا. كان واضحًا لنا، نحن الفلسطينيين في إسرائيل، أن صيغة أوسلو لم تراعِ بصورة كافية واقعنا وعلاقاتنا الإنسانية والجغرافية. فرسم حدود مغلقة وحواجز صارمة قد يفصل الإنسان عن عائلته ومحيطه وامتداده الطبيعي. لذلك، يجب تطوير صيغة تحافظ على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ضمن دولة ذات حدود جغرافية واضحة، وفي الوقت نفسه تُبقي إمكان الحركة والحياة والتعاون بين النهر والبحر مفتوحًا، من دون جدران وحواجز، وفي إطار علاقة تكاملية أو كونفدرالية بين الدولتين. كما يجب أن يحترم الحل مكانة الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. نحن جزء من الشعب الفلسطيني ومن المنطقة العربية، وفي الوقت نفسه مواطنون في هذه الدولة، ولا نقبل التنازل عن مواطنتنا أو نقلنا إلى الدولة الفلسطينية ضمن أي تسوية. من حقي أن أحافظ على مواطنتي، ومن حقي الوطني أيضًا أن أكون جزءًا من الشعب الفلسطيني، وأن أحافظ على علاقتي ببقية أبناء شعبي. لا يوجد تناقض بين الحقين. قد يرى البعض أن هذه الصيغة معقدة، لكنها ليست كذلك. فاليهودي الذي يعيش في نيويورك منذ عشرات السنين يستطيع الحفاظ على علاقته بالشعب اليهودي، بل يملك حق الانتقال إلى إسرائيل والحصول على المواطنة. فكيف يُطلب مني، وأنا أعيش في وطني، أن أتخلى عن حقي في الانتماء إلى شعبي الفلسطيني؟ توجد في العالم نماذج لحلول مركبة تحترم الهويات القومية والحقوق الجماعية، مثل النظام البلجيكي الذي ينظم العلاقة بين الفلامانيين والوالونيين والمجموعة الناطقة بالألمانية، إلى جانب نماذج أخرى في إيطاليا وأوروبا. فعندما تتوافر الإرادة لتحقيق السلام، يمكن ابتكار آليات دستورية وسياسية تستجيب لاحتياجات مختلف المجموعات. القضية الفلسطينية أكثر تعقيدًا، لأن جزءًا كبيرًا من شعبنا تحول إلى لاجئين منذ نكبة عام 1948. ولهذا نحتاج إلى حلول أكثر إبداعًا من الاكتفاء بترديد عبارة «دولتان لشعبين». نعم، نريد دولتين وحقًا فلسطينيًا كاملًا في تقرير المصير، لكن يجب استكمال هذا الحل بالاعتراف بالحقوق الجماعية للفلسطينيين داخل إسرائيل، وبحقهم في التواصل والانتماء إلى شعبهم، من دون المساس بمواطنتهم وحقوقهم المدنية. بهذه الرؤية يمكن نقل حل الدولتين من مجرد شعار إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

الكرمل :
هل هناك دور للمؤسسات المجتمعية في المجتمع العربي كالبلديات والجمعيات والمؤسسات المختلفة للمساهمة في محاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي أم أن كل الجهود يجب أن تتوجه فقط لمطالبة لحكومة والشرطة بهذه المهمة؟
جعفر فرح :
المجتمع المدني القوي هو مجتمع ينتج الأفكار، ويحوّل الخلافات إلى حوار وحلول. وفي المجتمعات المترابطة خصوصًا، تستطيع المؤسسات المجتمعية ابتكار آليات جديدة لمعالجة النزاعات قبل تفاقمها. أعتقد أن ضعف مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب السياسية والسلطات المحلية والجمعيات، أدى إلى غياب الآليات القادرة على معالجة الخلافات قبل تحوّلها إلى صراعات عنيفة. قد يبدأ النزاع من خلاف بين شقيقين على متر واحد من الأرض، أو من تضارب مصالح اقتصادية، أو خلاف حول تعيين مدير مدرسة، أو اتهام ينشره شخص ضد آخر عبر «فيسبوك». وفي غياب هيئة مجتمعية قوية وموثوقة للوساطة والتحكيم، قد يتحول الخلاف الشخصي إلى نزاع عائلي أو جماعي، ثم إلى عنف. يمكن مقارنة ذلك بالتحكيم العشائري في النقب، الذي حافظ على مكانته جزئيًا بسبب غياب مؤسسات الدولة وعدم تطبيق القانون بصورة فاعلة داخل بعض التجمعات البدوية. وقد ساعد احترام هذا الإطار على حل خلافات كثيرة قبل أن تتحول إلى مواجهات عنيفة. أما في الجليل والمثلث، فقد أصبح الاعتماد أكبر على جهاز القضاء الإسرائيلي، بالتزامن مع تراجع مكانة لجان الصلح. كما ظهر داخل مجتمعنا تيار ينظر إلى لجان الصلح باستخفاف، باعتبارها إطارًا قديمًا، بدل العمل على تطويرها وتنظيمها. حتى المجتمع الإسرائيلي لم يكتفِ بالمحاكم، بل طوّر منظومة رسمية للوساطة، ومنحت وزارة القضاء مؤسسات الوساطة صلاحيات وأطرًا قانونية. وهذا يؤكد أن القضاء وحده لا يستطيع معالجة جميع النزاعات. من مظاهر الإدارة الذاتية المجتمعية أن تكون لدينا هيئات مهنية وموثوقة للوساطة والتحكيم. فليس ضروريًا أن تصل كل قضية إلى المحكمة. إذا اختلف شخص مع شقيقه بشأن ملكية أرض أو تسجيلها، يمكن عرض النزاع على هيئة وساطة مجتمعية تساعدهما على التوصل إلى حل عادل. ولجنة الوفاق مثال واضح على ذلك؛ فهي لم تُنتخب من الجمهور، لكنها تتمتع باحترام الأحزاب السياسية التي وافقت على الاحتكام إليها في خلافاتها المتعلقة بترتيب المقاعد. إذا كانت الأحزاب تقبل بهذا النموذج، فنحن بحاجة إلى أطر مشابهة في كل بلدة، تضم شخصيات موثوقة ومختصين قادرين على حل النزاعات. من أبرز نقاط ضعفنا اليوم غياب هيئات وساطة وتحكيم فاعلة تستطيع التدخل مبكرًا، قبل انتقال الخلافات إلى مرحلة العنف. فالمجتمع المدني القوي لا يحيل جميع مشكلاته إلى المحاكم، بل يعتمد أيضًا على الحوار المجتمعي والوساطة وإيجاد الحلول. هذا الدور لا يعفي الحكومة والشرطة من مسؤوليتهما في إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة المنظمة وحماية المواطنين. المطلوب مساران متكاملان: دولة تتحمل مسؤوليتها الأمنية والقانونية، ومجتمع قوي يمتلك آليات تمنع الخلافات من التحول إلى جرائم.

 

الكرمل :
: الجبهة ترفع منذ سنوات شعار المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، لكن نتائج الانتخابات الداخلية الأخيرة لم تترجم هذا الشعار إلى تمثيل نسائي متقدم في المواقع المضمونة. كيف تفسرون هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة؟ وما هو الضمان لوجود نسائي أكثر في المستقبل؟
جعفر فرح :
نتائج الانتخابات الداخلية تعكس مشكلة تحتاج إلى معالجة جدية داخل الجبهة وداخل المجتمع الفلسطيني عمومًا. فعندما ننظر إلى السلطات المحلية العربية، نجد أن رئاستها تكاد تقتصر بالكامل على الرجال، ولا توجد امرأة عربية واحدة على رأس سلطة محلية. كما أن لدينا نحو 23 امرأة فقط من بين قرابة 600 عضو في السلطات المحلية العربية. إذن، نحن أمام مشكلة مجتمعية وبنيوية لا تقتصر على الجبهة، لكنها موجودة أيضًا داخل الأحزاب السياسية، ولا يمكن تجاهلها. مجرد طرح القضية ومناقشتها يؤكد أننا ندرك وجود خلل في تمثيل النساء داخل مواقع اتخاذ القرار في الجبهة. لكن الاعتراف بالمشكلة لا يكفي؛ بل يجب وضع خطة عمل تبدأ قبل يوم الانتخابات بسنوات. يجب أن يبدأ العمل من جيل الشباب، ومن عمر 15 عامًا، ومن مجالس الطلاب والأطر الشبابية، عبر تنمية القيادات النسائية وإعدادها لتحمل المسؤولية العامة. حتى في لجان الصلح داخل بلداتنا، نادرًا ما نجد نساء، رغم أنهن من أكثر المتضررين من الصراعات العنيفة ومن أشد الحريصين على إنهائها. وعندما تُهمّش النساء في السلطات المحلية ولجان الصلح والحيز العام، فلا ينبغي أن نفاجأ بضعف حضورهن في نتائج الانتخابات الحزبية. تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية قيادة التغيير. وأقترح أولًا ضمان وجود بنيوي للنساء في قيادة كل فرع من فروع الجبهة، لا أن ننتخب امرأة واحدة في السلطة المحلية ثم نتركها وحدها وسط عشرين رجلًا. نحتاج إلى مجموعات دعم ترافق النساء اللواتي يقررن خوض العمل السياسي؛ فالانتقال إلى موقع قيادي ينطوي على مخاطرة شخصية واجتماعية، ولا يجوز أن تواجه المرأة هذه التجربة بمفردها. ثانيًا، يجب بناء كوادر نسائية مستقبلية ونقل النساء من مواقع القيادة المهنية والتربوية والمدنية إلى مواقع القرار السياسي. لدينا مديرات مدارس وأكاديميات وطبيبات وناشطات يحظين باحترام واسع، لكن الانتقال من النجاح المهني إلى العمل السياسي ما زال صعبًا بسبب غياب المسارات الداعمة. لا ينبغي أن نطلب من امرأة ناجحة أن تدخل السياسة وحدها ثم نقول لها: «دبّري حالك». المطلوب إعدادها ومرافقتها وتوفير بيئة سياسية تحميها وتمنحها فرصة حقيقية للمنافسة. كما يجب ألّا يُختزل المرشح في هويته الجندرية أو المناطقية أو القومية أو الطائفية. ففي انتخابات الجبهة الأخيرة، لم يكن صحيحًا النظر إلى يوسف العطاونة بوصفه «مرشح النقب» فقط، أو إلى عوفر كسيف بوصفه «المرشح اليهودي»، أو إلى أي امرأة بوصفها «مرشحة النساء» وحدهن. يجب انتخاب المرشح أو المرشحة وفق الكفاءة والبرنامج والقدرة على تمثيل المجتمع كله. نجح يوسف العطاونة، على سبيل المثال، في إقناع مندوبين من مناطق مختلفة بالتصويت له، رغم أن عدد مندوبي النقب كان محدودًا. وهذا يثبت أن كوادر الجبهة تستطيع تجاوز الانتماء المناطقي عندما تقتنع بأهمية التمثيل. وكان ينبغي أن تُظهر الالتزام نفسه تجاه تمثيل النساء. قبل الانتخابات، اقترحت أنه إذا لم تُنتخب امرأة ضمن المواقع الأربعة الأولى، فيجب اعتماد آلية ملزمة تضمن لها موقعًا متقدمًا، سواء من خلال المقعد المحفوظ أو التناوب. لكن هذا الاقتراح رُفض داخل سكرتارية الجبهة، ووُصف بأنه غير مألوف. غير أن ضمان التمثيل يعني، عمليًا، أن يتنازل الرجال أحيانًا عن موقع لمصلحة امرأة. وهذا قرار يصعب على البنية الحزبية الذكورية اتخاذه، ولم يُتخذ حتى اليوم بصورة كافية. ومع ذلك، لا أعتقد أن الحل يقتصر على تخصيص مقعد مضمون. يجب أن يترافق ذلك مع بناء كوادر نسائية وضمان تمثيلهن في جميع المناطق والفروع. فإذا كان عدد النساء نحو 150 فقط من أصل ألف مندوب في مجلس الجبهة، فهذا يعني أن الخلل يبدأ من الفروع نفسها. على كل فرع أن يضمن حضور النساء في عضويته وقيادته ووفوده إلى مؤسسات الحزب. ومن دون إصلاح هذه البنية، ستبقى النتائج غير متوازنة مهما تحدثنا عن المساواة. نحتاج أيضًا إلى استعادة مفهوم الشراكة الفعلية بين المرأة والرجل في العمل السياسي والاجتماعي، بما في ذلك داخل الأسرة. فالمرأة ليست مرافقة للرجل في نضاله، بل رفيقة وشريكة كاملة فيه. الضمان الحقيقي إذن يقوم على أربعة أمور: تمثيل ملزم في الفروع، وبناء قيادات نسائية منذ سن مبكرة، وتوفير شبكات دعم للمرشحات، واعتماد مقاعد مضمونة أو آليات تناوب عندما تفشل الانتخابات الداخلية في تحقيق تمثيل عادل. من دون ذلك سيبقى شعار المساواة منفصلًا عن التطبيق. في السابق، كانت الشراكة بين النساء والرجال في العمل السياسي أكثر وضوحًا في بعض الأطر؛ فكثير من القيادات كانت تناضل إلى جانب زوجاتها ورفيقاتها، ولم تكن المرأة مجرد مرافقة، بل شريكة كاملة في النشاط وفي صناعة القرار. وقد جرى تكريم بعض هؤلاء المناضلات وتوثيق تجاربهن في كتب وشهادات. لكن تغيرات اجتماعية وسياسية أدت، حتى داخل الجبهة، إلى تهميش قسم من النساء اللواتي كنّ شريكات فعليات في النضال. وهنا يجب أن نسأل: هل توفر الأحزاب السياسية اليوم مساحة كافية وآمنة للنساء؟ الجواب هو: لا. في السلطات المحلية، قد تدخل امرأة واحدة إلى المجلس فتجد نفسها وحيدة بين عشرين رجلًا. هذا الشعور بالعزلة يتطلب ألّا نكتفي بإيصال امرأة إلى عضوية البلدية، بل أن نبني حولها شبكة دعم سياسية ومجتمعية تضمن قدرتها على التأثير والاستمرار. كما أن القوائم المحلية تضع المرأة عادةً في الموقع الذي يلي الموقع المضمون؛ فإذا كان متوقعًا أن تحصل القائمة على مقعدين، تضع المرأة في المرتبة الثالثة، وإذا كانت ستحصل على أربعة، تضعها في المرتبة الخامسة. وبهذا تتحول مشاركتها إلى تمثيل شكلي. أُدخل تعديل على قانون تمويل الانتخابات المحلية يمنح حوافز مالية للقوائم التي تضع نساء في مواقع متقدمة. لكن النساء العربيات أكدن أن الحوافز الحالية غير كافية لمعالجة الفجوة الكبيرة في تمثيلهن. كان أحد اقتراحاتنا في مركز «مساواة» اعتماد حوافز مالية متدرجة: تحصل القائمة على تمويل أكبر عندما تضع امرأة في المرتبة الأولى، وتمويل أقل عندما تضعها في المرتبة الثانية أو الثالثة. والهدف هو دفع الأحزاب إلى منح النساء مواقع مضمونة، بدل وضعهن في مواقع للزينة. كما يجب توجيه الحوافز إلى الأحزاب والقوائم السياسية، لا إلى الأطر العائلية. فالانتخابات في غالبية بلداتنا تحولت إلى منافسة بين العائلات، وأحيانًا إلى صراعات داخل العائلة الواحدة، وهذا يزيد صعوبة دخول النساء إلى العمل السياسي. على الرغم من ارتفاع مستوى التعليم العالي لدى النساء العربيات، وتطور مهاراتهن واتساع مشاركتهن في سوق العمل، فإن تمثيلهن السياسي لم يتقدم بالمستوى نفسه. لذلك، يجب معالجة المشكلة من جذورها، من خلال الجمع بين بناء القيادات النسائية، والحوافز المالية، وضمان المواقع المتقدمة. أما بشأن الفصل بين النساء والرجال في التعليم العالي لدى المجتمع الحريدي، فهناك معادلة معقدة: هل نرفض الأطر المنفصلة، فنغلق فعليًا أبواب التعليم العالي أمام أشخاص تفرض عليهم بيئتهم الدينية عدم الاختلاط، أم نتيح لهم الدراسة ضمن ترتيبات خاصة؟ الفصل موجود أيضًا في عدد من المدارس العربية المخصصة للبنين أو للبنات. لكن الفرق أن المجتمع الحريدي استطاع فرض قدر كبير من الإدارة الذاتية على جهازه التعليمي، ثم نجح في إدخال تصوراته إلى مؤسسات التعليم العالي. أما المجتمع العربي، فعندما يطالب بإدارة جهازه التربوي وبصياغة مناهجه وفق احتياجاته وهويته، فلا يحصل على الصلاحيات نفسها. وهذه قضية جوهرية تتعلق بالمساواة وبحق المجتمعات في إدارة شؤونها التعليمية. مع ذلك، فإن الفصل في التعليم ليس المعيار الوحيد لقياس مكانة المرأة. الاختبار الحقيقي هو مدى حضورها في لجان تعيين المديرين، وفي إدارات المؤسسات، وفي السلطات المحلية والأحزاب، وفي جميع مواقع صنع القرار.