في مدينه حيفا، استضاف موقع "الكرمل" رئيس  كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في الكنيست، النائب أيمن عودة، في حوار سياسي شامل، استعرض فيه حصيلة سنوات عمله البرلماني

 
أبرز النقاط في مقابلة النائب أيمن عودة:
• حصيلة عشر سنوات في الكنيست، وتقييم أداء العمل البرلماني العربي، وأبرز الإنجازات السياسية والاقتصادية والدولية التي تحققت خلال تلك الفترة. • مستقبل القائمة المشتركة، ورؤيته لأفضل صيغة للتمثيل العربي بين قائمة موحدة أو قائمتين منسقتين، وأولوية منع استمرار حكومة اليمين المتطرف. • الخلاف مع نهج القائمة العربية الموحدة، وحدود المشاركة في الائتلافات الحكومية، وموقفه من التنازلات السياسية مقابل المشاركة في الحكم. • الشراكة العربية–اليهودية، وأهميتها الاستراتيجية لتحقيق السلام والمساواة، ودورها في إنهاء الاحتلال وبناء مستقبل مشترك بين الشعبين. • رأيه في حزب "لكلنا مكان"، وموقفه من إقامة أطر سياسية عربية–يهودية جديدة، ولماذا يرى أن الأولوية الحالية هي توحيد الجهود لمواجهة اليمين المتطرف. • تمثيل المرأة في الأحزاب العربية، ودعوته إلى تعزيز حضور النساء في المواقع القيادية، وإمكانية اعتماد نظام الكوتا أو التناوب لضمان تمثيل عادل. • مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ولقاؤه مع الأمين العام للأمم المتحدة، ومطالبته بمساءلة الحكومة الإسرائيلية عن تقاعسها في مواجهة الجريمة المنظمة. • مشروعه السياسي الجديد "ثقة" (Trust)، وهو حركة شعبية عربية–يهودية تهدف إلى إنهاء الاحتلال، وتعزيز الشراكة، وإطلاق مبادرات مدنية مشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. • رؤيته لمواجهة الجريمة، حيث اعتبر أن الغالبية الساحقة من المجتمع العربي ترفض العنف، وأن المسؤولية الأساسية تقع على الدولة في تفكيك عصابات الإجرام وجمع السلاح غير المرخص. • القراءة والتاريخ والكتابة، وتحدث عن شغفه بالكتب، وتأثير قراءاته التاريخية، ورؤيته لحل الدولتين باعتباره الحل السياسي الأكثر واقعية في المرحلة الحالية. • رسالة إلى الناخب العربي، دعا فيها إلى رفع نسبة التصويت باعتبارها مسؤولية شخصية ووطنية، مؤكدًا أن المشاركة الواسعة هي المدخل الأول للتغيير السياسي ومواجهة اليمين المتطرف.

 

الكرمل :
عشر سنوات في الكنيست… كيف تلخص فترة عملك في الكنيست من ناحية خدمة المجتمع العربي؟
أيمن عودة :
أعتقد أننا دخلنا الكنيست في مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة ما بعد هبّة أكتوبر 2000، وهي مرحلة أصبحت فيها شرعية القيادة العربية داخل العمل السياسي الإسرائيلي موضع تشكيك دائم. ومنذ البداية أدركنا أن الشرعية الحقيقية تستند أولًا إلى الانتماء الوطني والمواطنة، لكن من يريد التأثير في السياسة الإسرائيلية عليه أيضًا أن يفرض حضوره وشرعيته داخل السياق السياسي الإسرائيلي نفسه. يمكن، برأيي، تقسيم هذه المسيرة إلى مرحلتين متقاربتين زمنيًا. المرحلة الأولى بلغت ذروتها بين عامي 2019 و2020، حين نجحنا في توسيع حضورنا داخل المجتمع الإسرائيلي، لا سيما في أوساط معسكر الوسط، سواء من خلال التوصية على تشكيل الحكومة أو من خلال دورنا في منع بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة يمين متطرف. في تلك المرحلة استطعنا مخاطبة شرائح أوسع من المجتمع الإسرائيلي والتأثير في المشهد السياسي. أما المرحلة الثانية، وخصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر وفي ظل حرب غزة، فقد أصبحت أكثر تعقيدًا. لم نعد نواجه فقط التشكيك في شرعيتنا السياسية، بل وصل الأمر إلى التعامل معنا وكأننا غرباء، لا حتى كمواطنين. وهذا فرض تحديات غير مسبوقة على العمل السياسي العربي داخل الكنيست. ورغم ذلك، أعتقد أن الحد الأدنى الذي كان ينبغي الحفاظ عليه هو الموقف المبدئي الكريم؛ موقف يجمع بين الكرامة الوطنية والمسؤولية السياسية، ويخاطب في الوقت ذاته شرائح من المجتمع الإسرائيلي. لقد شعرنا أحيانًا أننا نسير على خيط رفيع؛ فمن جهة هناك الانتماء الوطني، ومن جهة أخرى المواطنة، وكان من السهل في كل لحظة أن يسقط الإنسان في أحد الاتجاهين. وبعد السابع من أكتوبر، بدا أحيانًا وكأن هذا الخيط لم يعد موجودًا أصلًا. أما على مستوى الإنجازات العملية، فأعتز بعدد من المحطات المهمة، أبرزها الخطة الاقتصادية للمجتمع العربي بقيمة 15 مليار شيكل، التي أسهمت في تطوير السلطات المحلية العربية، إضافة إلى ارتفاع نسبة مشاركة النساء العربيات في سوق العمل من 24% إلى 29%، وهي إنجازات استندت إليها لاحقًا خطط حكومية أخرى. كما أعتز بالنجاح في تدويل قضايا المجتمع العربي والفلسطيني في الداخل، من خلال المشاركة في جلسات الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان في جنيف، والاتحاد الأوروبي في بروكسل، إلى جانب نشر مقالات وإجراء مقابلات في كبرى وسائل الإعلام العالمية، مثل نيويورك تايمز، فضلًا عن إدراجنا أكثر من مرة ضمن قوائم الشخصيات الأكثر تأثيرًا عالميًا. وأرى أن هذه الإنجازات شكلت محطات فارقة في مسيرة العمل السياسي خلال العقد الأخير.
الكرمل :
نترك المفاوضات وتفاصيلها للمفاوضين ، ولكن ما هو في رأيك الوضع الأمثل لنجاح وتأثير العمل البرلماني الذي يخدم أجندة السلام والمساواة: هل ما زال التمسك بقائمة مشتركة واسعة أم الذهاب بقائمتين ؟
أيمن عودة :
قبل الإجابة عن شكل القوائم، أعتقد أن علينا أن نطرح سؤالًا أكثر جوهرية: ما هي المهمة الأهم في الانتخابات المقبلة؟ بالنسبة إليّ، الجواب واضح، وهو منع استمرار الحكومة الفاشية الحالية في الحكم. هذه هي الأولوية التي يجب أن تتقدم على أي خلاف آخر. في الماضي، كان الجيل السابق يتحدث عن أن معركتنا الأساسية هي معركة البقاء. وكنت أظن أننا تجاوزنا تلك المرحلة، لكن التطورات الأخيرة دفعتني إلى إعادة التفكير في هذا المفهوم. برأيي، يصبح خطر البقاء حقيقيًا عندما تجتمع عدة عوامل معًا: أن تكون الحكومة معادية لوجودنا، وأن تنزلق مؤسسات الدولة الأمنية نحو التطرف، وأن تتصاعد المواقف العدائية داخل المجتمع اليهودي، مع غياب شريك سياسي قادر على مواجهة هذا الواقع. للأسف، نحن نشهد اليوم مؤشرات مقلقة. فهناك حكومة يقودها اليمين المتطرف، ومؤسسات أمنية يشغل مواقع مؤثرة فيها أشخاص يحملون أفكارًا متشددة، إلى جانب استطلاعات رأي أظهرت ارتفاعًا كبيرًا في نسبة اليهود الذين يؤيدون سياسات متطرفة بحق المواطنين العرب، فضلًا عن اتساع ظاهرة تسليح المدنيين. كل هذه المعطيات تجعل المرحلة الحالية استثنائية وتتطلب قراءة مختلفة. من هنا، أرى أن وحدة الصف العربي ليست مجرد شعار، بل ضرورة سياسية. صحيح أن لدينا خلافات حقيقية مع بعض القوى السياسية، ومنها الحركة الإسلامية الجنوبية، لكن علينا أن نحدد ما هو التناقض الرئيسي وما هو التناقض الثانوي. فالتحدي الأكبر اليوم هو منع استمرار هذا الائتلاف الحاكم، وهذا يستدعي أوسع قدر ممكن من الوحدة. ولهذا السبب، ومنذ سنوات، أصبحت من المؤيدين لإعادة بناء قائمة عربية موحدة، لأنها، في تقديري، الخيار الأكثر قدرة على رفع نسبة التصويت، وتعزيز التمثيل العربي، وزيادة فرص التأثير السياسي. أما إذا تعذر التوصل إلى قائمة واحدة بسبب الخلافات السياسية، فأرى أن البديل الأفضل هو خوض الانتخابات بقائمتين منسقتين، مع الحفاظ على التعاون والتنسيق بينهما، وتجنب الصراعات الداخلية، بحيث يبقى الهدف المشترك واضحًا: تعظيم التمثيل العربي، ومنع استمرار الحكومة الحالية، والدفاع عن قضايا مجتمعنا وحقوقه. وأود أن أضيف نقطة أراها بالغة الأهمية. فحتى إذا نجحنا في إسقاط هذه الحكومة، فهذا لا يعني أن الفاشية قد انتهت أو أن الخطر زال. فإسقاط الحكومة هو بداية الطريق، وليس نهايته. في علم السياسة هناك ما يُعرف بنظرية "الأرجوحة"؛ أي أن انتقال المشهد السياسي إلى أحد الطرفين بشكل حاد قد يؤدي، في الانتخابات اللاحقة، إلى ارتداد حاد نحو الطرف المقابل. وقد رأينا مثل هذه الظواهر في تجارب سياسية مختلفة حول العالم. وفي الحالة الإسرائيلية، أعتقد أن هذا الاحتمال قائم أيضًا. فحتى لو سقطت حكومة نتنياهو وحلفائه، فإن وجود بيئة مشحونة، وانتشار السلاح بين أوساط اليمين المتطرف، ووجود ميليشيات مدنية مسلحة، قد يفتح الباب أمام توترات وأعمال عنف، خصوصًا إذا جاءت الحكومة البديلة ضعيفة أو غير منسجمة داخليًا. كما أن اليمين قد يستغل أي إخفاق أو حالة عدم استقرار ليعيد تقديم نفسه باعتباره البديل الوحيد القادر على الحكم، الأمر الذي قد يمكنه من العودة إلى السلطة بقوة أكبر، وبشرعية شعبية أوسع. لذلك أقول إن الانتصار على الفاشية لا يقتصر على إسقاط حكومة بعينها، بل يتطلب عملًا سياسيًا ومجتمعيًا طويل النفس، يرسخ قيم الديمقراطية، ويحمي المؤسسات، ويمنع إعادة إنتاج الخطاب المتطرف. فالمعركة الحقيقية لا تنتهي بتغيير الحكومة، وإنما تبدأ بعد ذلك، من خلال بناء واقع سياسي يمنع عودة الفاشية مرة أخرى.

الكرمل :
: ألا تعتقد أن هناك فائدة عملية في أن يكون البعض منا في الكنيست يشد الحبل والبعض يرخيه؟
أيمن عودة :
أعتقد أن النقاش مع الحركة الإسلامية الجنوبية (القائمة العربية الموحدة) هو نقاش حقيقي وجوهري، وليس مجرد خلاف سياسي عابر. فمن حيث المبدأ، لا أرى مشكلة في دعم حكومة تتبنى برنامجًا يسعى إلى السلام والمساواة، أو في التعاون مع أي حكومة يمكن أن تحقق مكاسب حقيقية للمواطنين العرب. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يُطلب منك الالتزام ببرنامج سياسي متفق عليه، وإنما يُطلب منك أن تكيّف مواقفك وثوابتك كي تصبح مقبولًا لدى الائتلاف. هنا يصبح الثمن سياسيًا وأخلاقيًا. فعندما يُطلب من السياسي أن يتبنى مواقف لا يؤمن بها، أو أن يتعامل بازدواجية مع القضايا الإنسانية والوطنية من أجل الحصول على شرعية المشاركة، فإن ذلك، برأيي، يمس بالمصداقية وبكرامة العمل السياسي. كذلك، لا أرى جدوى في تقديم المديح لقوى سياسية معروفة بمواقفها العنصرية فقط من أجل التقرب منها. فالتجربة الممتدة على مدار عقود أثبتت أن هذا النهج لم يغيّر السياسات الجوهرية للدولة تجاه المواطنين العرب، ولم يؤدِّ إلى تحقيق مساواة حقيقية. ولهذا أعتقد أنه، بعد أن أصبح التمثيل العربي أكثر قوة وحضورًا، كان من الواجب أن نعتمد خطابًا ديمقراطيًا واضحًا يخاطب المجتمع الإسرائيلي بأسره، ويطرح مشروعًا قائمًا على المساواة والعدالة، من دون التنازل عن الحقوق أو المساس بالكرامة الوطنية. كما ينبغي أن نقيس أي خيار سياسي بنتائجه الفعلية. فبعد عشرات السنين من مشاركة شخصيات عربية في ائتلافات مختلفة، علينا أن نسأل بصدق: هل تحقق تحول جوهري في مكانة المواطنين العرب؟ وهل أُزيلت الفجوات البنيوية؟ وهل أصبحت المساواة واقعًا؟ هذه الأسئلة هي التي يجب أن تحدد خياراتنا السياسية، لا مجرد الرغبة في المشاركة بأي ثمن. ورغم هذا الخلاف الجوهري مع نهج القائمة العربية الموحدة، فإنني ما زلت أعتقد أن أولوية المرحلة تقتضي السعي إلى وحدة الصف. فإذا أمكن التوصل إلى قائمة عربية مشتركة واحدة، فهذا هو الخيار الأفضل، لأنه يرفع نسبة التصويت ويعزز التمثيل العربي ويزيد القدرة على مواجهة اليمين المتطرف. أما إذا تعذر ذلك بسبب الخلافات السياسية، فأرى أن البديل الأنسب هو خوض الانتخابات بقائمتين متعاونتين ومنسقتين، تتنافسان انتخابيًا، لكنهما تعملان معًا لتحقيق الهدف الأكبر، وهو تعزيز التمثيل العربي ومنع استمرار حكم اليمين المتطرف.

الكرمل :
لماذا لم تدرك الأحزاب العربية حتى الآن بوجوب إقامة قائمة يهودية-عربية فعلية وليست صورية من أجل خدمة أفضل لقضايا السلام والمساواة؟
أيمن عودة :
بدايةً، يجب التذكير بأن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة هي، في تعريفها، إطار عربي–يهودي، وإن كنت أقر بأن هذه الشراكة لم تكتمل بالشكل الذي كنا نطمح إليه. فعلى مدار سنوات طويلة بذلنا جهودًا كبيرة لتعزيزها، لكن لا يمكن تجاهل أن الواقع السياسي والقومي في إسرائيل أصبح أكثر تعقيدًا، خاصة بعد السابع من أكتوبر، في ظل تصاعد الاستقطاب القومي وتراجع مساحة الخطاب الديمقراطي. ومع ذلك، ما زلت أرى أن وجود آلاف اليهود الديمقراطيين الذين يواصلون الدفاع عن قيم المساواة والسلام، رغم كل الضغوط، هو أمر بالغ الأهمية. ورغم صعوبة المرحلة، فإنني أعتبر الشراكة العربية–اليهودية خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه. فهناك شعبان يعيشان في هذا الوطن، ولن يختفي أي منهما. وإذا أردنا تحقيق تغيير حقيقي في القضايا الكبرى، كالسلام، والمساواة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، فلا يمكن أن يتم ذلك من دون شراكة مع القوى الديمقراطية اليهودية. فالعرب وحدهم، مهما كان موقفهم موحدًا، لا يستطيعون إحداث هذا التحول من دون وجود حلفاء يهود يؤمنون بهذه القيم. ولهذا، فإن ما نحاول بناءه خارج الكنيست قد يشكل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، من خلال إقامة إطار عربي–يهودي واسع يعمل من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام، ويؤسس لشراكة سياسية ومجتمعية أعمق. وأعتقد أن إنهاء الاحتلال هو المدخل الأساسي لإعادة بناء العلاقة بين العرب واليهود. فالاحتلال هو العامل الأكثر تأثيرًا في إنتاج الكراهية والخوف المتبادل. فالشاب اليهودي يدخل الخدمة العسكرية، ويقضي سنوات في واقع الاحتلال والحواجز والاحتكاك اليومي مع الفلسطينيين، ثم يعود بهذه التجربة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة العلاقة مع المواطنين العرب. لذلك، فإن النضال من أجل إنهاء الاحتلال وإحلال السلام ليس قضية فلسطينية فحسب، بل هو أيضًا المدخل الأهم لبناء علاقة صحية وطبيعية بين العرب واليهود داخل إسرائيل. أما في ما يتعلق بالانتخابات، فعلينا أن نكون واقعيين. فالانتخابات في إسرائيل ما زالت، إلى حد كبير، تصويتًا قائمًا على الانتماءات والهويات، سواء القومية أو الفئوية أو الإثنية. ولذلك فإن الحديث عن بناء شراكة انتخابية عربية–يهودية واسعة قبل فترة قصيرة من الانتخابات ليس أمرًا واقعيًا. في المرحلة الحالية، أرى أن الأولوية يجب أن تكون رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي، مع الاستمرار في طرح خطاب ديمقراطي منفتح يخاطب المجتمع الإسرائيلي بأسره، ويفتح الباب مستقبلًا أمام توسيع الشراكة العربية–اليهودية على أسس سياسية ومجتمعية أكثر رسوخًا.

الكرمل :
ما رأيك في حزب "لكلنا مكان" وهل بالإمكان التفاوض معه لضمه للقائمة المشتركة ؟
أيمن عودة :
أنا، من حيث المبدأ، مؤيد لقيام أطر سياسية عربية–يهودية، وكنت دائمًا من الداعمين لفكرة توسيع الشراكة مع القوى الديمقراطية اليهودية. لكنني أعتقد أن توقيت إقامة حزب جديد اليوم ليس مناسبًا، لأن المرحلة الحالية تفرض أولويات مختلفة. علينا أن نتذكر أن الانتخابات في إسرائيل كانت، إلى حد كبير، انتخابات تقوم على الانتماءات والهويات، لكن الانتخابات المقبلة تحمل بُعدًا إضافيًا وأكثر خطورة. فإذا عاد اليمين المتطرف إلى الحكم بأغلبية واضحة، فسيفسر ذلك على أنه تفويض شعبي كامل لتنفيذ مشروعه السياسي، وعندها لن يتردد في المضي قدمًا في سياساته منذ اليوم الأول. لهذا السبب، أرى أن هذه الانتخابات ليست مجرد منافسة حزبية عادية، بل هي انتخابات مصيرية ستحدد شكل المرحلة المقبلة، ليس فقط بالنسبة للمواطنين العرب في إسرائيل، وإنما أيضًا بالنسبة للشعب الفلسطيني عمومًا، في ظل استمرار الحرب وما يحيط بها من مخاطر. وأخشى أنه إذا حصل اليمين المتطرف على تفويض شعبي جديد، فإنه سيعتبر ذلك ضوءًا أخضر لتطبيق أجندته بأقصى درجات القوة، سواء في الداخل أو في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ولذلك فإن منع استمرار هذه الحكومة هو مسؤولية وطنية وديمقراطية من الدرجة الأولى. كما أنني أعتقد أن التعويل على الضغوط الدولية وحدها ليس كافيًا. فالتاريخ يثبت أن الوقائع التي تُفرض على الأرض هي التي ترسم مستقبل الشعوب، ولذلك فإن حماية الناس ومنع فرض حقائق جديدة على الأرض أهم من الاكتفاء بالمواقف الدولية أو الإدانات السياسية. لهذا، فإن خطاب المرحلة يجب أن يكون خطاب مسؤولية قبل أي شيء آخر. علينا أن نضع الخلافات جانبًا، وأن نتصرف وفق ما تقتضيه المصلحة العامة، لأن ما هو مطروح اليوم يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، ويتعلق بمستقبل المجتمع العربي، وبمستقبل الديمقراطية والسلام في هذه البلاد.

الكرمل :
ظهرت في فترة انتخابات البرايمرز للأحزاب العربية قضية عدم إدراج المرأة بصورة كافية في القوائم الانتخابية وخاصة في قائمة الجبهة . هل تعتقد بوجوب تغيير طريقة تشكيل القوائم بحث يكون هناك ضمان تمثيل أكبر للمرأة أو حتى بوجوب اعتماد نظام التعاقب ( الريتش راتش) كما فعل حزب الدمقراطيين وحزب "لكلنا مكان"؟
أيمن عودة :
بدايةً، أعتقد أنه يجب أن نوجه نقدًا صريحًا لأنفسنا. فمن غير المقبول ألا تضم المراتب الأربع الأولى في القائمة امرأة، وهذا أمر ينبغي الاعتراف به بوضوح. في قناعتي، الموقف السياسي يظل أهم من الهوية بحد ذاتها. فقد يكون الرجل أو المرأة في موقع سياسي لا يخدم قضايا العدالة والمساواة، وقد يكون العكس. لذلك فإن المعيار الأول يجب أن يبقى الالتزام بالمبادئ، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وتحقيق السلام، والمساواة، والدفاع عن الحقوق. وهذه، في جوهرها، قضايا تخدم النساء كما تخدم المجتمع بأسره. لكن، في الوقت نفسه، لا يجوز في القرن الحادي والعشرين أن تغيب المرأة عن المواقع القيادية والمتقدمة في أي قائمة سياسية. فهذا لا ينسجم مع قيم المساواة التي ندافع عنها، ولا مع الدور الذي تؤديه المرأة في المجتمع والحياة العامة أما فيما يتعلق بنظام الكوتا، فأنا أرى أن الوضع الطبيعي والأفضل هو أن تصبح الثقافة التنظيمية نفسها ضامنًا لتمثيل النساء، بحيث يحدث ذلك بصورة تلقائية ودون الحاجة إلى إجراءات إلزامية. لكن إذا أثبتت التجربة أن هذه الثقافة وحدها غير كافية، كما حدث في الانتخابات الأخيرة، فأنا أؤيد اعتماد آليات واضحة، بما فيها الكوتا، لضمان تمثيل المرأة بصورة عادلة، إلى أن يصبح هذا الأمر جزءًا راسخًا من الثقافة السياسية. لدينا في مجتمعنا، وفي صفوف الجبهة أيضًا، نساء يمتلكن كفاءات وخبرات سياسية ومهنية عالية جدًا، وقد أثبتن قدرتهن على القيادة والعمل العام. ولذلك لا يوجد أي مبرر لغيابهن عن المواقع المتقدمة. وأعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد حضورًا نسائيًا أقوى في مقدمة القوائم، لا باعتباره منّة أو مجاملة، وإنما باعتباره استحقاقًا طبيعيًا يعكس قيم المساواة والديمقراطية التي نؤمن بها.
الكرمل :
التقيت مؤخرًا بالأمين العام للأمم المتحدة لبحث أزمة العنف والجريمة في المجتمع العربي. ما أبرز النتائج التي خرج بها هذا اللقاء؟ وهل كانت هناك خطوات أو تعهدات عملية تم الاتفاق عليها؟
أيمن عودة :
أؤمن بأن النضال الأساسي والأكثر تأثيرًا هو النضال الذي يخوضه الناس داخل وطنهم. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، والعالم لا يحترم الشعوب التي تكتفي بالشكوى، بل يحترم الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها وتدافع عنها. التاريخ مليء بالأمثلة على ذلك. فالقضية الفلسطينية لم تحظَ باهتمام العالم إلا عندما أصبح للشعب الفلسطيني حركة وطنية تناضل من أجل حقوقه. وكذلك الأمر في جنوب أفريقيا مع المؤتمر الوطني الأفريقي، وفي الولايات المتحدة مع حركة الحقوق المدنية بقيادة شخصيات مثل مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس. العالم يصغي إلى الشعوب التي تتحرك وتفرض قضيتها على الأجندة الدولية. ومن هذا المنطلق، لم نكتفِ بالتحرك على المستوى الدولي، بل سبق ذلك حراك ميداني واسع داخل البلاد. نظمنا مظاهرات واحتجاجات وخطوات نضالية غير مسبوقة منذ عام 1948، ووصل الأمر إلى إغلاق شوارع ومحاور مركزية، في محاولة للضغط على الحكومة ودفعها لتحمل مسؤولياتها في مواجهة الجريمة والعنف المستشريين في المجتمع العربي. لكن الحكومة، للأسف، واصلت تجاهلها لهذه المطالب. في هذه المرحلة، رأينا أن من الضروري نقل القضية إلى الساحة الدولية، خصوصًا في ظل ما تواجهه إسرائيل من عزلة دولية وانتقادات غير مسبوقة بسبب الحرب. ومن هنا جاء لقاؤنا مع الأمين العام للأمم المتحدة، حيث طرحنا قضية الجريمة والعنف في المجتمع العربي باعتبارها قضية تتعلق بحقوق الإنسان وبحق المواطنين في الأمن والحياة الكريمة. وخلال اللقاء، طلبت من الأمين العام أن يوجه استفسارًا ومساءلة رسمية إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن مسؤوليتها عن استمرار هذه الظاهرة، وأن يطالبها بتوضيحات حول الإجراءات التي تتخذها لحماية المواطنين العرب. ونحن نأمل أن تُرسل هذه المراسلة في الفترة القريبة، وسنعلن عنها فور صدورها، كما سنواصل متابعة هذا الملف والضغط، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، حتى تتحمل الحكومة مسؤولياتها وتتعامل مع هذه القضية بالجدية التي تستحقها.

الكرمل :
حدثنا عن مشروعك الجديد الذي تذكره دائماً بكلمتين أو ثلاث دون تفصيل ؟
أيمن عودة :
أعتقد أن القضية المركزية خلال العقدين الأخيرين، وبصورة خاصة في السنوات العشر الماضية، هي استمرار الاحتلال والاستعمار. فهذه القضية لا تؤثر فقط في الشعب الفلسطيني، بل تنعكس أيضًا على المجتمع الإسرائيلي، وعلى مستقبل الديمقراطية، وعلى إمكان قيام علاقات طبيعية بين العرب واليهود. إن إنهاء الاحتلال ليس مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل هو أيضًا مصلحة لجميع من يعيشون في هذه البلاد. فالاحتلال هو الذي يغذي الصراع، ويكرس العداء، ويستنزف الموارد، ويجعل الأمن القضية الأولى في إسرائيل على حساب الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي. ولو تحقق السلام، لتغيرت أولويات الدولة بصورة جذرية، ولأمكن توجيه الموارد نحو بناء مجتمع أكثر عدلًا وازدهارًا. ومن هنا جاءت فكرة إطلاق مشروع شعبي جديد يعمل بالتوازي داخل المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي. فنحن نؤمن بوجود روايتين قوميتين، وأن كل طرف يحمل سرديته الخاصة. صحيح أنني أرى أن الرواية الفلسطينية عادلة في جوهرها، ولا يمكن المساواة بين واقع الاحتلال وبين الشعب الواقع تحت الاحتلال، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أن كل مجتمع يحمل روايته، وأن بناء السلام يتطلب مخاطبة الشعبين معًا. ولهذا نسعى إلى إقامة حركة شعبية عربية–يهودية تحمل اسم "ثقة" (Trust)، تعمل على بناء جسور بين المجتمعين، وتعزيز الشراكة المدنية والسياسية، بعيدًا عن الخطابات الإقصائية. وسيبدأ المشروع بسلسلة من المبادرات العملية، من أبرزها إطلاق عريضة شعبية مشتركة تهدف إلى جمع مليون توقيع من الفلسطينيين ومليون توقيع من الإسرائيليين، دعمًا لحل الدولتين، وإيصال رسالة واضحة بأن هناك جمهورًا واسعًا على الجانبين يؤمن بالسلام ويريد إنهاء الصراع. كما نعمل على إنشاء مجموعات عمل مشتركة في مختلف المجالات، تضم ناشطين وأكاديميين ومهنيين من الجانبين، تُعنى بقضايا البيئة، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والثقافة، وغيرها، انطلاقًا من قناعة بأن السلام لا يُبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، وإنما أيضًا من خلال التعاون اليومي بين الناس. وسيكون هذا المشروع حركة مدنية مستقلة وغير ربحية، تعمل وفق إطار قانوني منظم، وتركز على بناء قاعدة شعبية واسعة تؤمن بالشراكة، وتسعى إلى إخراج المنطقة من دوامة العنف والانقسام التي عمّقتها سنوات الصراع، ولا سيما في المرحلة الأخيرة.

الكرمل :
نحن نتحدث كثيراً، وبصدق طبعاً، عن مسؤولية الحكومة والشرطة عن عدم لجم الجريمة في المجتمع العربي ، أليس هناك ما يمكننا نحن فعله كمجتمع، كسلطات محلية وهيئات قيادية قطرية ومحلية في بلداتنا؟
أيمن عودة :
أولًا، أعتقد أنه من المهم أن يعرف الجميع حقيقة أساسية، وهي أن المتورطين المباشرين في الجريمة المنظمة لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة جدًا من مجتمعنا. لقد سألت في أكثر من بلدة عن عدد المنخرطين في عصابات الإجرام، ولم أجد بلدة واحدة تجاوزت فيها هذه النسبة واحدًا بالمئة من السكان. وهذا يعني أن الغالبية الساحقة من أبناء مجتمعنا ترفض الجريمة وترفض ثقافة العنف. ولذلك يجب ألا نسمح بتعميم صورة مشوهة عن مجتمعنا، وكأن الجريمة أصبحت سمة له. الحقيقة أن أكثر من 99% من أبناء مجتمعنا ليسوا جزءًا من عالم الجريمة، بل إنهم ضحايا لها ويعانون من آثارها يوميًا. ولا يوجد مجتمع بشري يخلو من الانحراف أو الجريمة. حتى في التاريخ الديني والإنساني، لم يكن هناك مجتمع كامل. فالأنبياء والرسل، رغم عظمتهم، لم يستطيعوا أن يجعلوا جميع الناس على قلب رجل واحد. وهذا يؤكد أن وجود فئة منحرفة لا يلغي قيم المجتمع ولا أخلاقه. وفي تقديري، فإن أكثر من 70% من جرائم القتل في مجتمعنا ترتبط بعاملين رئيسيين: انتشار عصابات الإجرام المنظمة، وانتشار السلاح غير المرخص. وإذا نجحنا في معالجة هاتين القضيتين بصورة حازمة، فإننا سنحقق انخفاضًا كبيرًا في مستويات الجريمة. وهنا تقع المسؤولية الأساسية على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية. فهي الجهة التي تمتلك الصلاحيات والإمكانات القانونية لمكافحة العصابات، وجمع السلاح غير القانوني، وفرض سيادة القانون على الجميع. أما المجتمع، فعليه أن يواصل رفضه للجريمة، وأن يعزز ثقافة القانون والمسؤولية، لكن المعركة الحاسمة ضد الجريمة المنظمة تبقى مسؤولية الدولة قبل أي طرف آخر.

 

الكرمل :
: نحن نعرفك قارئاً شغوفاً للكتب وكمحب للأدب ، ألا تتوق لأن تطرق باب الكتابة الأدبية بعد أن تخلصت من كاهل العمل البرلماني؟
أيمن عودة :
في هذه المرحلة، ما زلت أعتبر أن أولويتي هي العمل من أجل التغيير السياسي، وإنهاء الحرب والاحتلال. أشعر بأن هذه القضية تستحوذ على وجداني بالكامل، ولذلك أكرس لها معظم وقتي وجهدي. لكنني، في المقابل، لا أنقطع عن القراءة والبحث. فما زلت أقرأ باستمرار في التاريخ والفكر، وأحاول أن أستخلص منهما ما يساعدنا على فهم حاضرنا. قبل أيام، على سبيل المثال، كنت أقرأ كتاب "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" للقاضي بهاء الدين بن شداد، وهو رفيق صلاح الدين الأيوبي ومؤرخ سيرته. وخلال القراءة توقفت عند صلح الرملة الذي عقده صلاح الدين مع ريتشارد قلب الأسد، حيث قُسمت البلاد وفق ترتيبات سياسية وعسكرية معينة. هذه المحطة التاريخية دفعتني إلى إعادة التفكير في كثير من المسلمات، وإلى طرح أسئلة حول كيفية قراءة التاريخ، ولماذا تترسخ في الوعي الجمعي بعض الشخصيات والأحداث أكثر من غيرها. ما خرجت به من هذه القراءة هو أن النضال يظل أساسًا لأي إنجاز سياسي، لكن النضال وحده لا يكفي، بل يحتاج أيضًا إلى رؤية سياسية قادرة على تحويل الإنجازات إلى واقع دائم. كما أدركت أكثر من أي وقت مضى المكانة الرمزية التي تحتلها القدس في الوجدان الفلسطيني والعربي، ولماذا كانت دائمًا في قلب المشروع الوطني. وأنا أؤمن بأننا بحاجة دائمة إلى المرجعيات الفكرية والثقافية، ليس فقط لزيادة المعرفة، وإنما أيضًا لصياغة مشروع سياسي مقنع وقابل للحياة. فمن يحب شعبه لا يكتفي برفع الشعارات، بل يبحث عن أفضل السبل لتحقيق مصالحه الوطنية بأكبر قدر ممكن من الواقعية. ولهذا، ما زلت أرى أن حل الدولتين هو الحل السياسي الأكثر واقعية وعدالة في هذه المرحلة، لأنه يضمن حق الشعب الفلسطيني في دولته، وحق الشعب الإسرائيلي في الأمن. وبعد تحقيق السلام، وإذا اختار الشعبان، بحرية كاملة، أشكالًا أخرى من التعاون، كالفيدرالية أو إزالة الحدود أو أي صيغة مشتركة، فإن ذلك يجب أن يكون قرارًا نابعًا من إرادتهما الحرة، لا نتيجة لفرض الأمر الواقع أو استمرار الصراع.

الكرمل :
: ما هي كلمتك للمواطن العربي والناخب العربي بالذات بشأن الانتخابات القادمة؟
أيمن عودة :
رسالتي واضحة: المشاركة في الانتخابات مسؤولية شخصية ووطنية في آن واحد. إنها ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، ولا مسؤولية القيادات فقط، بل مسؤولية كل فرد في مجتمعنا. هي مسؤولية الشاب والمرأة، ومسؤولية من يعيش في القرى غير المعترف بها، ومسؤولية من يعاني من الجريمة والعنف، ومسؤولية من يواجه الأزمات الاقتصادية، ومسؤولية كل من يؤمن بأن الواقع الحالي يجب أن يتغير. إن رفع نسبة التصويت هو الخطوة الأولى نحو إحداث هذا التغيير. فإذا أردنا إنهاء مرحلة اليمين المتطرف والحكومة الحالية، فعلينا أن نمارس حقنا الديمقراطي وأن نشارك بكثافة في صناديق الاقتراع. أدعو أبناء مجتمعنا جميعًا إلى الخروج للتصويت بأوسع مشاركة ممكنة، أكثر من أي انتخابات سابقة، لأن كل صوت يمكن أن يصنع الفارق، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها التغيير ممكنًا.